اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شبلي يكتب: حاجات الانسان الدنيوية وفق مقاصد الشريعة الإسلامية مقارنة بالشرائع السماوية الأخرى

{title}
أخبار الأردن -

 

سعد شاكر شبلي

 

تنظر الشرائع الدينية، ولا سيما الإسلامية، إلى حاجات الإنسان الدنيوية باعتراف واهتمام بالغين، فلا ترفضها أو تلغيها، بل تعتبرها جزءاً أساسياً من عمارة الأرض، وتربط بين إشباعها بالحلال وبين طاعة الله، مجعلةً الحياة الدنيا ممرًا وصناعةً للآخرة بلا إفراط أو تفريط.
نظرة الشريعة الإسلامية إلى متطلبات الدنيا
تنظر الشريعة الإسلامية (والشرائع السماوية عموماً) إلى حاجات الدنيا بنظرة متوازنة وواقعية، حيث لا تدعو إلى إهمالها، ولا تجعلها الغاية الأساسية للإنسان، حيث:
• الاعتراف بالفطرة: تقر الشريعة أن حب المال، والرزق، والأسرة، واللباس، والاطمئنان هي حاجات طبيعية.


• الشمول والتوازن: لا تفصل الدين عن الحياة، بل تنظم علاقة الإنسان بجسده وعقله وماله إلى جانب روحه.
• الاعتدال والوسطية: ترفض التبتل المطلق الذي يهمل الجسد والدنيا، كما ترفض الانغماس المادي الذي ينسي الإنسان غايته الكبرى.
الكليات والضرورات الحياتية
• حفظ النفس: تووجب الشريعة حماية حياة الإنسان وصحته وتأمين سلامته من الأذى.
• حفظ المال: تعتبر المال قوام الحياة، وتأمر بالسعي لتحصيله وتنميته وإنفاقه بالمعروف وتحريم سرقته أو تضييعه.
• حفظ العقل: تحث على العلم وتأمر بحماية العقل وتطويره وتحريم ما يفسده.
• حفظ النسل: تنظم العلاقات الأسرية وتدعو لتكوين المجتمع وحماية العرض والذرية
وترتكز الشريعة الإسلامية في تلبيتها لحاجات الإنسان الدنيوية على منظومة المقاصد الشرعية، وهي الغايات التي وضعت الأحكام لأجلها؛ بهدف جلب المصالح ودرء المفاسد عن العباد في الدنيا والآخرة.
ويتسع مفهوم تلبية هذه الحاجات وتوجيهها في الإسلام عبر ثلاث مراتب تصاعدية، وتختلف فلسفتها التنظيمية بشكل جوهري عند مقارنتها بالشرائع والأديان الأخرى.
أولاً: مقاصد الشريعة الإسلامية في تنظيم الحاجات الدنيوية: قسم علماء الأصول (كالإمام الشاطبي) الغايات التشريعية التي تلبي حاجات الإنسان إلى ثلاثة مستويات: [الضروريات: أصل البقاء] ◄ [الحاجيات: التيسير ورفع الحرج] ◄ [التحسينات: الرقي والجمال]
1. الضروريات (الكليات الخمس): هي المقاصد التي لا يمكن للحياة البشرية أن تستقيم بدونها، وإذا فُقدت اختل نظام المجتمع وفني الإنسان. الشريعة تحفظ هذه الحاجات من جانبي الوجود (بالبناء والإباحة) والعدم (بالحماية والعقوبات):
• حفظ النفس: شرع لها الطعام، والشراب، والتداوي (جانب الوجود)، وحرّم القتل والاعتداء وشرع القصاص (جانب العدم).
• حفظ المال: أباح التجارة، والعمل، وتملّك الثروات (جانب الوجود)، وحرّم السرقة، والربا، والاحتجاز، والإتلاف (جانب العدم).
• حفظ العقل: حث على التعليم، والتفكر (جانب الوجود)، وحرّم المسكرات، والمخدرات، والخرافات (جانب العدم).
• حفظ النسل والعِرض: شرع الزواج، وبناء الأسرة (جانب الوجود)، وحرّم الزنا والقذف لتأمين الأنساب (جانب العدم).
2. الحاجيات: هي الأمور التي يحتاجها الإنسان للتيسير عليه ورفع المشقة والحرج عن حياته اليومية. إذا فُقدت لا تنعدم الحياة، ولكن يقع الناس في ضيق. ومن أمثلتها الدنيوية: إباحة الإجارة والبيوع المعاصرة لتسهيل المعاملات المادية، ورخص السفر (كالفطر وقصر الصلاة) للمحافظة على طاقة الجسد.
3. التحسينات (الكماليات): هي الحاجات التي تأخذ الإنسان نحو مكارم الأخلاق، والجمال، ورغد العيش. من أمثلتها: ستر العورة، والتجمل باللباس الحسن، والتطوع بالخيرات، وحرمة إسراف الأموال.
ثانياً: مقارنة نظرة الإسلام للحاجات الدنيوية بالشرائع الأخرى: تختلف الفلسفة الدينية بين الرسائل السماوية بحسب طبيعة التشريع والظروف التاريخية لكل شريعة، ويمكن إيجاز الفروق في المقارنة التالية:
1. الشريعة الإسلامية : تعتمد الشريعة الإسلامية :
أ‌. الوسطية والموازنة: الدنيا مزرعة للآخرة، والجسد والروح يكملان بعضهما.
ب‌. الموقف من المال: يكون وفق صيغة استخلاف مسؤول أي إن المال عصب الحياة وقوامها. وإن السعي وراءه واجب بشرط الكسب الحلال والإنفاق التكافلي (الزكاة).
ج. الحاجات الجسدية: يتم التعامل معها وفق صيغة كونها فطرة وعبادة فالزواج نصف الدين وحاجة فطرية تُشبع بالحب والمسؤولية، والرهبانية غير مشروعة.
د. آلية تنظيم المعاملات: تقوم وفق تشريع دنيوي شامل يضع أحكاماً تفصيلية للاقتصاد، السياسة، الأحوال الشخصية، والقضاء لحماية المصالح.
2. الشريعة اليهودية: تعتمد الشريعة اليهودية الصيغ الآتية:
أ. المادية والتمكين الأرضي: يتم التركيز على الحياة الدنيا، والعهد الأرضي، والنسل المادي.
ب. الموقف من المال والثورة: ينظر إليها على أنها مقياس للبركة حيث تُعد الثروة المادية والأرض علامة مباشرة على الرضا الإلهي والبركة الدنيوية.
ج‌. الحاجات الإنسانية: يجري التعامل معها كواجب ديني مقدس حيث أن إكثار النسل واستمرار الجماعة حاجة قصوى، ويرفض الفكر اليهودي التقليدي العزوبية والتبتل.
د. آلية تنظيم المعاملات: تقوم وفق تشريع قومي مغل يضع أحكام تفصيلية شديدة الدقة (شرائع التلمود) تنظم شؤون مجتمعهم وتؤكد التميز المادي والقومي.
3. الشريعة المسيحية: تعتمد الشريعة المسيحية:
أ. السمو الروحي والزهد: ويتم عبر التركيز على ملكوت السماء وفصل الروحي عن المادي.
ب. الموقف من المال والثروة: ينظر إليها على أنها مظنة فتنة إذ يجري التعامل مع الثروة المادية بحذر باعتبارها عائقاً أمام السمو الروحي (ما أسرع أن يدخل الغني ملكوت الله).
ج. الحاجات الإنسانية: لها مرتبة أدنى من البتولية ويُباح الزواج للتناسل، لكن التبتل والرهبانية يُمثلان القمة في السمو والتقرب لله.
د. آلية تنظيم المعاملات: تقوم وفق صيغة ترك الدنيويات للقيصر "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وترك الجوانب المدنية للشرائع الوضعية والتركيز على الوعظ الأخلاقي.

واستناداً لما تقدم يبرز تساؤلين فرعيين مفادهما: كيف وازنت الشريعة الإسلامية بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة في تلبية الحاجات الدنيوية (خاصة المالية)، ما أبرز الامثلة المعاصرة التي تُثبت مرونة المقاصد الشرعية اليوم.

أولاً: الموازنة بين الفرد والجماعة في الحاجات المادية: في الأنظمة الوضعية، يطغى النظام الرأسمالي الذي يقدس حرية الفرد المطلقة ولو على حساب المجتمع، أو النظام الاشتراكي الذي يسحق الفرد لأجل الجماعة. أما في الشريعة الإسلامية، تضبط المقاصد هذه العلاقة وفق قاعدة: "لا ضَرر ولا ضِرار".
تتحقق هذه الموازنة من خلال آليتين تشريعيتين:
1. تقييد الملكية الفردية بشرط عدم الإضرار: للفرد الحق الكامل في التملك، والربح، وتلبية حاجته للثراء. لكن الشريعة تتدخل فوراً إذا تحولت هذه الحاجة الفردية إلى عبء على المجتمع. على سبيل المثال:
• تحريم الاحتكار: يمنع الإسلام التاجر من حبس السلع الضرورية (كالأقوات والأدوية) لرفع سعرها؛ لأن حاجة الجماعة للطعام تُقدم على حاجة الفرد لزيادة أرباحه.
• منع الغش والتطفيف: حمايةً لأموال الجماعة من الجشع الفردي.
2. تقديم المصلحة العامة عند التعارض: إذا تعارضت مصلحة خاصة لفرد مع مصلحة عامة للمجتمع، يتم التضحية بالمصلحة الخاصة (مع تعويض صاحبها عادلاً). ومن أمثلة ذلك دنيوياً:
• نزع الملكية للمنفعة العامة: كأخذ جزء من أرض فرد لتوسيع طريق عام، أو بناء مستشفى، أو شق قناة مائية لمجتمع يعاني العطش.
• التسعير الجبري في الأزمات: إذا تلاعب التجار بأسعار السلع الأساسية في أوقات الحروب أو الأوبئة، يحق لولي الأمر تحديد سعر عادل يحمي حاجة الناس ويمنع استغلالهم.

ثانياً: أمثلة معاصرة لتطبيق المقاصد في الحاجات الدنيوية: تتميز مقاصد الشريعة بمرونتها؛ فهي لا تتغير بتغير الزمان، ولكن الفتاوى والوسائل تتطور لتلبية حاجات الإنسان المعاصر في ظل الحفاظ على الكليات الخمس (النفس، المال، العقل، النسل، الدين).
1. في الجانب الصحي والبدني (حفظ النفس):
• الأوبئة والحجر الصحي: خلال الأزمات الصحية المعاصرة، اعتمدت المؤسسات الفقهية على مقصد "حفظ النفس" لإصدار فتاوى بإغلاق المساجد مؤقتاً، ومنع التجمعات، وفرض التطعيمات الإلزامية. فالحاجة الدنيوية للصحة العامة تقدمت على الممارسات العبادية الجماعية المؤقتة.
• زراعة الأعضاء ونقل الدم: أُبيحت عمليات نقل الأعضاء من المتوفين أو المتبرعين لإنقاذ حياة المرضى، بناءً على مقصد إحياء النفس وتخفيف الآلام البشرية.
2. في الجانب المالي والاقتصادي (حفظ المال):
• الابتكارات المصرفية والتكنولوجية: مع تطور الاقتصاد الرقمي، تدرس المقاصد المعاملات الحديثة مثل "العملات الرقمية، العقود الإلكترونية، والبورصات". المعيار الأساسي هنا هو: هل تحقق هذه الوسائل نفعاً حقيقياً وتسهل حياة الناس (باب الحاجيات)، أم أنها تؤدي إلى المقامرة وضياع الأموال (باب المفاسد)؟ وبناءً عليه يتم التقنين والتوجيه.
• التأمين التعاوني: أوجدت الشريعة بدائل للتأمين التجاري التقليدي عبر التأمين التكافلي، لتلبية حاجة الإنسان المعاصر في تأمين ممتلكاته وسيارته وتجارته ضد الكوارث غير المتوقعة بأسلوب تشاركي لا استغلال فيه.
3. في الجانب الاجتماعي والأسري (حفظ النسل والعرض):
• تقنيات الإخصاب الحديثة (أطفال الأنابيب): استجابةً لحاجة الإنسان الفطرية في الأمومة والأبوة وعلاج العقم، أباحت المجامع الفقهية عمليات التلقيح الاصطناعي طالما كانت بين الزوجين وخلال قيام العلاقة الزوجية، وذلك حمايةً للأنساب وتلبيةً للحاجة العاطفية والاجتماعية للبشر.

خلاصة القول
إن الشريعة الإسلامية لا تنظر إلى حاجات الإنسان الدنيوية كعقبة في طريق التدين، بل ترى أن تأمين هذه الحاجات بعدالة هو الوسيلة الوحيدة التي تمكّن الإنسان من عبادة الله وعمارة الأرض بسلام. لذا فإن مقاصد الشريعة الإسلامية تتميز بأنها لم تقف موقف العداء من حاجة الإنسان إلى المتعة، والمال، والأمن، والراحة في الدنيا، بل أطّرتها تشريعياً لتتحول من مجرد "غرائز مادية" إلى "أعمال عبادية" تُصلح الأرض وتُعمرها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية