العايدي يكتب: تشريح العقل المتشدد: في ثنائية الأبيض والأسود
د.محمد صبحي العايدي
هناك عقول لا ترى العالم إلا بلونين: أبيض وأسود، حق وباطل، حلال وحرام، سنّة وبدعة، معنا أو ضدنا، وبين هذه الثنائيات نجد مساحة واسعة من الحياة لا تكاد تجد مكانًا فيها: مساحة الاحتمال، والتدرج، والاستثناء، وتغير الأحوال، وتعدد الاجتهادات، وهنا لا نتحدث عن مجرد أسلوب في التفكير، وإنما عن بنية عقلية لها آثارها العميقة في فهم الدين والحياة معاً.
ولذا فالعقل المتشدد يميل إلى التفكير الخطي؛ يأخذ معادلة ثم يطبقها بالطريقة نفسها في كل الأزمنة، دون أن يتوقف عند اختلاف الظروف، أو تغير الواقع، أو مآلات التطبيق، فهو ينظر إلى الحكم في صورته المجردة أكثر مما ينظر إلى علته ومقصده، وتبدو خطاباتهم لا تتسم بالمرونة، ويتعاملون مع قضايا الأمة بحدّية لا بانسيابية.
فالمشكلة عندما ينظر إلى الحكم الشرعي بوصفة صيغة جامدة، منفصلة عن علته ومقصده ومآله، عندها يصبح المطلوب هو إعادة إنتاج الصورة نفسها في كل زمان ومكان، هنا يبدأ الخلط بين ثبات المبدأ، وثبات الصورة، فثبات الشريعة لا يعني أن كل وسيلة تاريخية لتحقيق مقاصدها يجب أن تبقى ثابتة إلى الأبد، المبدأ قد يكون ثابتًا، بينما تتغير وسيلة تحقيقه، والحكم قد يكون ثابتًا، بينما يختلف تنزيله باختلاف العلة والقدرة والحال والمآل.
والشريعة نفسها لم تكن نظامًا ميكانيكيًا مغلقاً؛ فقد راعت الضرورة والحاجة والمشقة والإكراه والمرض والسفر والعجز واختلاف الأحوال، فالمريض يصلي بحسب استطاعته، والمسافر يفطر، هذه المرونة في التعامل مع الظروف والأحوال ليس خروجاً عن الشريعة، وإنما هي جزء أصيل من منظومة الشريعة نفسها، كما في قوله تعالى: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر"، ولهذا لم تكن المشقة غاية في ذاتها، وفي حديث النفر الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ، فلما عرفوا عبادته كأنهم تقالوها، قال أحدهم: أصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أقوم ولا أنام، وقال الثالث: لا أتزوج النساء. فقال النبي ﷺ: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء»، لقد ظنوا أن من يكثر من العبادات بالضرورة هو الأتقى، وأن العبادة تقاس بمقدار ما تستنزف الإنسان، لا بمقدار ما تحقق من التزكية والاستقامة.
ومن هنا تظهر خطورة القراءة الحرفية المنفصلة عن المقاصد، فتوثيق الحقوق مثلًا مقصد شرعي، لكن وسيلة التوثيق ليست ثابتة؛ انتقل الإنسان من الكتابة التقليدية إلى العقود الإلكترونية والتوقيع الرقمي، ولم يتغير المقصد بتغير الوسيلة، وكذلك في الطب والاقتصاد والتعليم والإدارة؛ لا يمكن أن نحفظ مقاصد الشريعة إذا جعلنا أدوات الماضي شرطًا أبديًا لتحقيقها.
ومن أوضح الأمثلة التاريخية على مراعاة الواقع ما نقل عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام المجاعة من عدم إقامة حد السرقة في تلك الظروف؛ لأن تنزيل الحكم لا ينفصل عن شروطه ومناطه ومآله، فالفقه ليس استدعاءً آليًا للنص، بل فهم للنص والواقع معًا، وهنا تظهر أهمية فقه المآلات؛ فقد يكون الحكم صحيحًا في أصله، لكن تنزيله بصورة مجردة عن ظروفه قد يؤدي إلى مفسدة تناقض المقصد الذي جاء الحكم لتحقيقه.
إن عقل "الأبيض والأسود" يريد إجابة واحدة لكل سؤال، وصورة واحدة لكل زمان، بينما الواقع متحرك، والإنسان متغير، والحالات متعددة، والمرونة الشرعية ليست تفلتاً، كما أن الجمود ليس التزاماً، فالمرونة المنضبطة تعني أن نحفظ الثوابت دون أن نجمد الوسائل، وأن نحترم النص، دون أن نحبس فهمه في صورة تاريخية واحدة، وأن نميز بين الحكم ومناطه، وبين المبدأ وتطبيقه.
فالشريعة ليست متحفاً للتطبيقات التاريخية، ولا تحتاج إلى أن نجعلها جامدة حتى نحافظ عليها؛ بل تحتاج إلى فقهٍ يحفظ مقاصدها، وهي تتحرك داخل حياة متغيرة، فالعقل الذي يصنع النهضة ليس عقلًا يرفض الماضي، ولا عقلًا يقدس الحاضر؛ وإنما عقل يعرف ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي يمكن أن يتغير، ولماذا.
ولهذا فإن أخطر ما في عقل " الأبيض والأسود" أنه لا يرى إلا لونين، بينما الشريعة تعرف مراتب الأحكام، وتنوع الأحوال، واختلاف المناطات، وتعدد الاجتهادات، واستثناءات الضرورة والحاجة، وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، والحال والعرف متى تغير مناط الحكم.






