اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الطويقات يكتب ....شارع الأردن

{title}
أخبار الأردن -

 

الدكتور أجمل الطويقات

شارع الأردن

صدفةً فتحتُ التلفزيون يوم الجمعة الماضي، وانتقلت مباشرة إلى القناة الأولى عند الساعة العاشرة مساءً، فإذا بي أمام برنامج يحمل اسمًا لافتًا: «شارع الأردن».
قلت في نفسي: لعلّني أمام برنامج يلتقط نبض الشارع الأردني، يقترب من الناس، يقرأ تفاصيل حياتهم اليومية، ويقدّمها في قالب ساخر يضحكنا مرة، ويدفعنا إلى التفكير مرات.

لكنّني، مع مرور الدقائق، وجدت نفسي أطرح سؤالًا آخر: أيّ نوع من البرامج أشاهد؟
ظهر شاب يرتدي «شيّالات»، وبجواره شابّان  يعملا فاصلًا موسيقيًّا كلّما أنهى بعض العبارات، وانطلق في جولة نقدية لمظاهر مختلفة من حياتنا اليومية؛ من موسيقا سيارة الغاز، إلى حاويات النفايات، وباعة الخضار، وأشخاص يبحثون داخل حاويات القمامة، ثم انتقل إلى «الزامور» في شوارعنا، واستمرّ في ذلك، حتى أنّ ديك الحارة والكلاب النابحة لم تسلم من نقده. وحين حاول الهروب من الضوضاء إلى المقاهي، وجد الضجيج في انتظاره، مرورًا ببائع الحليب وغيره من تفاصيل الحياة اليومية.
كلّ هذه التفاصيل يمكن أن تكون مادةً ممتازة للكوميديا الاجتماعية؛ فالحياة الأردنية مليئة بالمفارقات التي تصلح للسخرية الراقية، بل إنّ أجمل الكوميديا هي التي تجعلنا نضحك على أنفسنا، ثم تدفعنا إلى التفكير في واقعنا.
لكنّ المشكلة، في رأيي، ليست في اختيار الموضوعات، وإنما في كيفية تحويلها إلى مادّة تلفزيونية.
هنا بدأت أسأل: هل أنا أمام برنامج كوميديّ؟ أم برنامج اجتماعيّ ساخر؟ أم تحقيق خفيف؟ أم اسكتشات متفرّقة؟ أم شيء يصعب وضعه في خانة واضحة؟
ليس مطلوبًا من كل برنامج تلفزيوني أن ينتمي إلى قالب تقليدي، لكنّ المطلوب أن تكون له هويّة فنية واضحة؛ فالتنوّع في الشكل لا يعني غياب الشكل.
من أبرز ما شعرت به في أثناء المشاهدة أن البرنامج ينتقل من فكرة إلى أخرى، لكن من دون بناء واضح يصل بينها.
الغاز، ثم الحاويات، ثم الباعة، ثم الزوامير، ثم الديك، ثم الكلاب، ثم المقاهي، ثم بائع الحليب...
قد تكون كل واحدة منها فكرة تصلح لفقرة، لكن جمعها في سياق واحد لا يصنع بالضرورة حلقة متماسكة.
فالإيقاع التلفزيوني ليس سرعة الانتقال بين المَشاهد فحسب، بل قدرة البرنامج على جعل المشاهد ينتظر ما سيأتي بعد ذلك. أما إذا كان المشهد التالي مجرّد تفصيل آخر من تفاصيل الإزعاج اليومي، فإن عنصر المفاجأة يتراجع، ويحلّ مكانه التكرار.
ولهذا وجدت نفسي: «متى ستنتهي الفقرة؟»
وهذا سؤال لا أحبّ أن يصل إليه أي برنامج تلفزيوني؛ فالأَولى أن نطرح السؤال الآتي: «ماذا سيحدث؟». إحدى الفقرات تضمّنت استضافة مخرج، وكان الحديث عن «رحم المعاناة» وأثره في الإبداع.
وهذه، في الحقيقة، كانت أكثر الفقرات التي أثارت فضولي، وزادت رغبتي بالكتابة؛ إذ عانيت كثيرًا وأنا أشاهد ما لا أريد مشاهدته؛ لأنّ فكرة  المعاناة  فكرة ملهمة وثرية، ويمكن أن تفتح أبوابًا مثيرة في الفنّ والأدب والمسرح وتجارب المبدعين. 
لكنني، وأنا أنتظر مخاض هذه الفكرة، شعرت أن المعاناة كانت أكبر من الحلقة، وأن هذا المخاض لم ينتهِ إلى ولادة تلفزيونية واضحة.

انتظرت أن يأخذنا الحوار إلى تجربة المخرج، إلى أعماله، إلى لحظة صنعت منه مبدعًا، إلى موقف فنّيّ غيّر رؤيته، أو إلى سؤال عميق حول علاقة الفنان بواقعه.

لكن الذي بقي في الذاكرة، بالنسبة لي على الأقل، كان ضحك المقدم وضيفه أكثر من مضمون الحوار نفسه.
ولا أتحدث هنا عن الشخصين، ولا أنتقد ضحكهما؛ فالضحك حقّ طبيعي للمقدم والضيف. وإنما أتحدث عن المعالجة التلفزيونية: هل كان الضحك جزءًا من بناء الحلقة، أم أصبح هو المحتوى؟

أنا لا أكتب هذا الكلام ضدّ مقدم البرنامج، ولا ضدّ المخرج، ولا ضد أي فرد من فريق العمل. بل إن النقد الحقيقي يبدأ عندما نفرّق بين الشخص والعمل الذي قدّمه.
غير أنّ العمل عندما يكون على شاشة التلفزيون الأردني، فإن سقف التوقعات يرتفع.
فالتلفزيون الرسميّ ليس مطالبًا بإرضاء ذائقة واحدة، ولا أطالب بأن تتحول شاشته إلى نشرات أخبار وتقارير فقط. نحن بحاجة إلى برامج إخبارية، وثقافية، وفنية، وترفيهية، ودرامية، وحوارية واجتماعية، وبرامج تخاطب الشباب والأسرة والشارع.
لكن القضية ليست في كمية البرامج، وإنما في نوعيتها.
فليس المهم أن نملأ ساعات البثّ بأيّ محتوى متاح، وإنما أن نسأل قبل وضع البرنامج على الشاشة: ماذا سيضيف للمشاهد؟
هل سيمنحه معرفة؟
هل سيجعله يضحك أو يمنحه متعة؟
هل سيجعله يفكّر؟
هل سيعرّفه إلى شخصية أو قضية أو تجربة جديدة؟
أم أنه سيقضي ساعة من وقته، ثم ينتهي كلّ شيء دون أن يبقى في ذاكرته سوى بعض الأصوات والضحكات؟
لا نريد تلفزيونًا من غير ضحك... بل نريد ضحكًا له معنى.
الكوميديا ليست مشكلة، والسخرية من تفاصيل حياتنا ليست مشكلة.
بل ربما نحن بحاجة إلى مزيد من الكوميديا الاجتماعية الأردنية؛ لأن مجتمعنا يمتلك مادة هائلة لصناعة هذا النوع من الفن.

لكنّ الكوميديا التلفزيونية تحتاج إلى كتابة، وإيقاع، وفكرة، وبناء، ومفارقة، وإدارة للصورة والصوت، والأهم من ذلك كلّه: أن تعرف إلى أين تريد أن تصل.
يمكن أن تجعلك تضحك على «ديك الحارة»، لكنّ الأفضل أن تجعلك تضحك ثم تقول في نفسك: «والله معه حقّ!».
يمكن أن نسخر من الزامور، لكنّ الأجمل أن نجعل الضحك على عادتنا في استخدامه، ثم نجد أنفسنا في اليوم التالي أقل استعمالًا له.
ويمكن أن تتناول حاويات القمامة، لكنّ الأصوب أن يخجل بعضنا على سلوكه الخاطئ، ثم تجعلنا نفكّر في نظافة بلدنا وكرامة الإنسان الذي يعمل فيها أو يبحث.  
هنا تصبح السخرية فنًّا، لا مجرّد تسجيل للمفارقات.

ربّما كنت قاسيًا في هذا النقد، وربّما لم ألتقط ما أراد البرنامج أن يقوله كاملًا، فمشاهدتي كانت عابرة لحلقة أو جزء منها، والنقد المُنصف لا يدّعي الإحاطة بعمل كامل من مُشاهدة واحدة، لكنّ الصدفة التي جعلتني أفتح التلفزيون في تلك الساعة جعلتْني أطرح سؤالًا أظنّه مشروعًا:
ماذا نريد من التلفزيون الأردني في زمن أُتيحَتْ فيه أمام المُشاهد مئات القنوات والمنصّات والخيارات؟
نحن نريد شاشة تملأ الوقت، وتحترم وقت المشاهد وعقله.
ولا نريد برامج كثيرة لمجرّد أن نقول إن لدينا برامج كثيرة.
نريد النوع قبل الكمّ، والفكرة قبل الفراغ، والمحتوى قبل الضجيج.

أما «شارع الأردن»، فلربّما يكون بحاجة إلى شارع آخر داخل غرفة الكتابة والإعداد؛ شارعٍ يقود الفكرة من مجرّد ملاحظة طريفة إلى عمل تلفزيوني مكتمل. فالشوارع الأردنية مليئة بالحكايات.
والمشكلة ليست في أن نجد مادّة للبرنامج...
المشكلة في أن نعرف كيف نحوّل هذه المادّة إلى فنّ.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية