خيرالله خيرالله يكتب: تركيا وإسرائيل والصدام المستبعد
خيرالله خيرالله
من المستب حصول عد صدام إسرائيلي – تركي بسبب سوريا. كلّ ما في الأمر أن تركيا لا تستطيع الذهاب بعيدا في تحدّي إسرائيل لأسباب عدّة تفرض التوصل إلى تفاهم بين الجانبين. بين هذه الأسباب العلاقة التاريخية بين البلدين وذلك منذ قيام الدولة العبريّة في العام 1948. لا يمكن تجاهل أنّ تركيا كانت بين أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل بعد قيامها.
كان لهذا الإعتراف من جانب جمهوريّة علمانيّة أسسها اتاتورك أهمّية كبيرة، خصوصا أنّ تركيا باتت، في حينه، أول دولة ذات أكثرية مسلمة تعترف بالدولة العبرية. كان ذلك في آذار – مارس 1949.
لا مصلحة إسرائيلية في مواجهة مباشرة مع تركيا ولا مصلحة تركيّة في الذهاب بعيدا في تحدّي إسرائيل. في نهاية المطاف توجد علاقات في العمق بين البلدين، وهي علاقات ذات طابع أمني وتجاري تجعل المزايدات التي تصدر عن مسؤولين اتراك وإسرائيليين في غير محلّها.
هذا لا يعني عدم وجود طموحات تركيّة في سوريا وخارج سوريا. كذلك، لا يمكن تجاهل الروح العدائية التي تمارسها إسرائيل، ممثلة ببنيامين نتانياهو، عندما يتعلّق الأمر بتجاوز تركيا لخطوط حمر معيّنة. على سبيل المثال وليس الحصر، تجاوزت إسرائيل كلّ حدود عندما وقفت في وجه مجموعة من السفن، انطلقت من تركيا، سعت في العام 2010 إلى فك الحصار عن غزّة التي كانت تسيطر عليها حركة "حماس". تربط علاقة قويّة بين "حماس" وتركيا. هذا ما تعرفه إسرائيل جيدا وتتعايش معه.
حصار غزة
بلغ الأمر بالبحرية الإسرائيلية أن هاجمت سفينة تركيّة وقتلت مواطنين اتراكا. قطعت تركيا العلاقات مع إسرائيل وما لبثت أن اعادتها في كانون الأوّل – ديسمبر 2022. يدل ذلك على وجود حدود لأي قطيعة يمكن أن تحدث بين إسرائيل وتركيا. لا مفرّ من أن يجد الطرفان صيغة تعايش بينهما، خصوصا في ظلّ وجود علاقات في العمق بين المؤسسة الأمنيّة في كل من البلدين وتعاون في ما بينهما.
يؤكّد الاجتماع الذي انعقد في الأردن بين رومان غوفمان مدير الموساد (جهاز الإستخبارات الإسرائيلي) ووزير الخارجية السوري اسعد الشيباني البحث عن صيغة تفاهم بين إسرائيل وتركيا. في الإمكان، بكلّ راحة ضمير، اعتبار الشيباني ممثلا لتركيا في هذا الاجتماع. ليس سرّا أن وزير الخارجية السوري ليس سوى أحد أبرز رجال تركيا في دمشق وأن قوته تنبع من هذه العلاقة التي توفّر له موقعا متميزا في تركيبة النظام الجديد.
بغض النظر عن السقف العالي للخطاب السياسي للرئيس التركي رجب طيب اردوغان والإستفزازات الإسرائيلية، يظلّ أن لا خيار أمام الجانبين غير التفاهم في ما بينهما. مثلما بلعت تركيا الهجوم على اسطول السفن، التي حاولت فك الحصار عن غزّة في 2010، ليس امامها غير البحث عن نقاط التقاء مع إسرائيل في كلّ ما علاقة بالوضع السوري. لا لشيء، سوى لأن تركيا تعرف أن سقوط النظام العلوي في سوريا ما كان ممكنا لولا رفع إسرائيل الغطاء الذي وفرته في كلّ وقت لهذا النظام. كذلك، تعرف إسرائيل أن تركيا لعبت دورا أساسيا، عبر "هيئة تحرير الشام" في وصول أحمد الشرع، مرفوقا باسعد الشيباني، إلى دمشق ووضع نفسه في موقع الرئيس الإنتقالي... في انتظار اليوم الذي تنتهي فيه المرحلة الإنتقالية وينتخب رئيسا شبه دائم.
رسالة إسرائيلية
ضربت إسرائيل مطار أبو الظهور السوري والذي لا يبعد كثيرا عن الحدود التركيّة أخيرا. كان ذلك بمثابة رسالة في غاية الوضوح في شأن الإنتشار العسكري التركي في سوريا... أي ما هو مسموح به إسرائيليا وما هو غير مسموح به. تبقى الكلمة الأولى والأخيرة في هذا المجال للمؤسسة الأمنيّة الإسرائيلية ذات الروابط التاريخية بالمؤسسة الأمنيّة التركية. أكثر من ذلك، لا تستطيع المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجاهل أن تركيا عضو بارز في حلف شمال الأطلسي (ناتو) كما أن علاقة متميزة تربط، إلى إشعار آخر، بين الرئيسين اردوغان ودونالد ترامب.
لن يكون أمام تركيا من خيار آخر غير التفاهم مع إسرائيل في حال كانت تريد ممارسة نفوذ في سوريا بعيدا عن المشاكل والتوترات التي تستطيع الدولة العبرية افتعالها في مناطق مختلفة. بين هذه المناطق الساحل السوري حيث الوجود العلوي ومحافظة السويداء حيث الوجود الدرزي. الأكيد أنّه سيكون هناك دور أميركي في ترتيب الأمور بين تركيا وإسرائيل. إلى اشعار آخر، ليس ما يشير إلى استخفاف في واشنطن لأهمّية التوصل إلى ترتيبات بين حليفين لا غنى لأي منهما عن الآخر، خصوصا في سوريا.







