خطاطبة يكتب: "التوجيهي".. لا تغيروا قواعد السباق بعد انطلاقه
محمود خطاطبة
أثارت التعليمات المرتبطة بنظام الحقول في امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة (التوجيهي)، خصوصًا فيما يتعلق بطلبة جيل 2009، جلبة واسعة وقلقًا مشروعًا لدى الطلبة وأولياء أمورهم، في وقت يُفترض أن يكون فيه النظام التعليمي قائمًا على الوضوح والاستقرار وثبات المعايير.
والحقيقة أن قرار التحول إلى نظام المسارات والحقول، الذي بدأ تطبيقه مع جيل 2008، لم يكن ناضجًا بصورة كافية عند انطلاقه، إذ أُعطي طلبة ذلك الجيل حُرية اختيار الحقل الذي يرغبون فيه، ولم يكن تحصيل الطالب في المساقات المدرسية هو الذي يُحدد الحقل الذي يلتحق به، وإنما كان الاختيار قائمًا بصورة أساسية على رغبة الطالب وتوجهاته.
وأظهرت النتائج لاحقًا اختلالًا في توزيع الطلبة بين الحقول؛ حيث اتجه عدد أكبر منهم إلى الحقل الصحي، مُستفيدين من عدم وجود الرياضيات والفيزياء ضمن مُتطلباته، مُقابل ضعف الإقبال على حقل الهندسة، في حين شهد حقلا اللغات والأعمال توجهًا ملحوظًا أيضًا.
وزارة التربية والتعليم بدورها حاولت مُعالجة هذا الخلل مع جيل 2009، من خلال اعتماد التحصيل المدرسي معيارًا في تحديد الحقل الذي يُمكن للطالب اختياره.
لكن النظام حمل إشكالًا آخر تمثل في إعفاء طلبة الحقل الصحي من الرياضيات والفيزياء، وهو ما وضع طلبة جيل 2008 أمام مُشكلة عند رغبتهم في دراسة الطب خارج الأردن، باعتبار أن بعض الدول تشترط دراسة هذه المواد.. ولتجاوز ذلك، توصلت «التربية» إلى تفاهمات مع الجانب المصري لإعفاء الطلبة الأردنيين الراغبين في الدراسة في مصر من هذا الشرط؛ كما قررت الوزارة، اعتبارًا من جيل 2009، إدماج مادة الرياضيات في الامتحانات الوزارية.
هذه التعديلات المُتلاحقة تكشف أن النظام ما يزال يمر بمرحلة من التجربة وإعادة الضبط، وهو أمر قد يكون مفهومًا في سياق الإصلاح، لكنه يُصبح مُقلقًا عندما تمس التغييرات طلبة بدأوا بالفعل بناء خياراتهم على تعليمات ومعايير مُعلنة.
وفي هذا السياق، جاء اجتماع لجنة التربية والتعليم النيابية في الرابع والعشرين من شهر آب 2026 لمُناقشة نظام المسارات والحقول ومُستقبل طلبة جيل 2009، في ظل حالة من القلق أثارها قرار احتساب نسب توزيع الطلبة على الحقول. وقبل ذلك كان إدارة الامتحانات والاختبارات بـ»التربية» تؤكد أن نسب توزيع الحقول لن تُطبق على جيل 2009، وهو ما استقر في أذهان الطلبة وأولياء أمورهم وبنوا عليه خياراتهم واستعداداتهم.
كما أن اعتماد العلامات المدرسية ضمن معايير الاحتساب أثار تساؤلات جدية حول العدالة، بسبب تفاوت العلامات بين المدارس والبيئات التعليمية، بما قد يجعلها معيارًا غير دقيق للمُقارنة بين الطلبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتحديد مُستقبل الطالب والحد من خياراته.
وفي ضوء ذلك، فإن إعلان وزير التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، عزمي محافظة، إلغاء قرار احتساب 30 بالمائة من علامات طلبة جيل 2009 على أساس العلامات المدرسية، مع التأكيد على مُراعاة مصلحة الطلبة واستقرار العملية التعليمية، يُمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.
فالطلبة ليسوا أرقامًا، ومستقبلهم لا يحتمل تغيير القواعد أثناء السباق؛ وما تحتاجه المرحلة الحالية هو الاستقرار في القرارات والتعليمات والمعايير، بما يمنح الطلبة وأُسرهم الطمأنينة والثقة بمُخرجات النظام التعليمي.
أما أي معايير جديدة، فيجب أن تُعلن مُسبقًا وتُطبق على الأجيال المُقبلة، مع منح الطلبة والمدارس وأولياء الأمور الوقت الكافي للاستعداد لها.. فالإصلاح الحقيقي لا يقوم على كثرة التعديلات، وإنما على التدرج والوضوح والعدالة وتكافؤ الفرص، وعلى عدم تغيير المعايير بعد أن يكون الطلبة قد بنوا مُستقبلهم التعليمي على أساسها.
ويبقى الأهم، هو حماية حقوق الطلبة وتطوير العملية التربوية، وصولًا إلى نظام مُستقر ومدروس يضع مصلحة الطالب في مُقدمة أولوياته.







