اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

كراجة يكتب: هل تركيا أردوغان هي الحل؟

{title}
أخبار الأردن -

 

سائد كراجة


الاستظهار بالأجنبي من علامات ضعف الدول، كما شرح ابن خلدون في مقدّمته. واليوم يتطلّع كثيرون إلى تركيا لتصفّي حساباتنا مع إسرائيل في سورية.
تركيا ليست دولة إسلامية ولا دولة خلافة. المادة الثانية من دستورها تصفها بـ»الدولة العلمانية»، والرابعة تمنع تعديل هذه المادة، بل تمنع اقتراح تعديلها. وأردوغان قائد مسلم في دولة علمانية تتحرك بمصالحها: فتركيا أول دولة ذات أغلبية سنّية تعترف بإسرائيل سنة 1949، وبعد السابع من أكتوبر استمرّت التجارة معها سبعة أشهر قبل وقفها، ثم أظهرت بيانات الأمم المتحدة تركيا بين أكبر خمسة مصدّرين إليها رغم الحظر.
 

ومن الموضوعية القول إن تقاسم النفوذ في سورية تمّ أمرًا واقعًا لا باتفاق موقّع: أنقرة شمالًا وتل أبيب جنوبًا، وبينهما قناة في أذربيجان لمنع التصادم لا لتقسيم غنيمة. والدليل أن إسرائيل قصفت مطار أبو الظهور في أغسطس 2026 قبل أن يدخله جندي تركي واحد، وأقرّت بالضربة لمنع انتشار قوات تركية، فاكتفت أنقرة بالاستنكار.
فإذا سقط الاستظهار بأنقرة، فهل تُغني الضمانة الأميركية؟ في التاسع من سبتمبر 2025 قصفت إسرائيل حيًّا سكنيًا في الدوحة، وقطر حليفة لواشنطن، وعلى أرضها أكبر قاعدة أميركية في المنطقة، وهي وسيط إسرائيل في التفاوض. ثلاثة موانع لم يمنع منها واحد. فأميركا لا تحمي حلفاءها العرب من إسرائيل، لأن الضامن واحد للطرفين والولاء ليس متساويًا، كما لم تحمهم من إيران. أي فشل هذا!
وبعد أحد عشر شهرًا وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية مكة، والجامعة قائمة منذ 1945، ومعاهدة الدفاع المشترك منذ 1950: شهادةٌ على عقم النظام العربي، لا بديلًا عنه. ومع ذلك هل لنا غير المشروع العربي والاصطفاف الداخلي العربي؟!
قد يقال إنه حلمٌ طوباوي، وأن المقومات التي تشدّقنا بها طويلًا — اللغة والدين والجغرافيا — لم تُسعفنا. لكن سببًا واحدًا غيّر المعادلة: الغطاء الأميركي، إمّا رُفع وإمّا ثبت فشله في حماية الدول، فأصبح المعادل الموضوعي للمشروع هو فشل الاصطفاف الخارجي.
وهنا نعيد التأمّل في المقومات: أرض متّصلة من المحيط إلى الخليج، وسوق قرابة نصف مليار نسمة، وممرّات تمرّ بها تجارة العالم، وتكامل موارد لا صادرات: الخليج يملك المال ولا يملك الأرض والسكان، ومصر والسودان والمغرب تملك الأرض والسكان ولا تملك المال. بنى الأوروبيون اتحادهم مفلسين بمال أميركي، ونحن نملك المال ولا نملك القرار. والدافع اليوم ليس شعارًا، بل تهديد يطال الجميع، وتجارة بينية لا تتجاوز عُشر تجارتنا، وشباب بلا عمل تستوعبه سوق واحدة.
ويبقى السؤال: أيسمح المهيمن؟ لا، لكن سقفه ليس واحدًا: تكامل اقتصادي وغذائي وطاقي لا يعارضه أحد، وتنسيق سياسي يُقلقه فيديره، وردع عسكري مستقلّ خطّ أحمر. فابنِ في المسموح حتى يصير الممنوع نتيجة لا قرارًا. والحماية والطاعة سلعتان متبادلتان، ومن توقّف عن دفع الأولى لا يملك تحصيل الثانية.
ولنكن أمناء: كل محاولة عربية للاستقلال أُجهضت في العراق وسورية وليبيا. لكنها دول معزولة، وإسقاط دولة ممكن، أما فكّ شبكة مصالح متشابكة فأصعب. والاندماج نفسه حماية.
المشروع المطلوب اتحاد مصالح لا اتحاد عواطف. يبدأ بمادة البقاء، القمح والكهرباء، كما بدأت أوروبا سنة 1951 بالفحم والصلب. ويتقدّم به من يجهّز لا من ينتظر إجماعًا؛ فالجامعة تعمل بالتوافق، أي أن أضعف الأعضاء يملك النقض. أما التوقيت فقبل الصدمة لا بعدها: اتفاقيات جاهزة تُخرَج ساعةَ تقع. فالصدمة لا تصنع الاتفاقيات، بل توقّع ما أُعِدّ سلفًا. فدولة يحميها مواطنوها أصعب على الضرب من دولة تحميها قاعدة لدولة أخرى.
تركيا إذن ليست عدوًّا، لكنها ليست الحلّ، ولا أميركا، وقطعًا ليس الولاء لإسرائيل، ولا الحلّ إسلامي: إيران رفعت راية دينية فانتهت إلى هلال نفوذ لا إلى أمة. الحل مشروع عربي قائم على المصالح التجارية، وليس على الشعر أو كاريزما القائد. 
الدرس المستفاد: الأحلاف أمر قديم، لكن شتّان بين حلف الأنداد وحلف الدخالة. الأول تراجع شروطه، والثاني يلغى بقرار من طرف واحد. وما دام الحامي يملك سحب حمايته، فمصير المستظهِر معلق بمزاج من استظهر به. جنابك.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية