الدرعاوي يكتب: مشاريع كبرى ترسم ملامح الاقتصاد الجديد
سلامة الدرعاوي
رغم التحديات الإقليمية والاقتصادية الصعبة، تواصل الحكومة المضي في تنفيذ عدد من المشاريع الكبرى التي يمكن أن تشكل، إذا ما اكتملت وفق الخطط الموضوعة، نقطة تحول حقيقية في شكل الاقتصاد الوطني خلال السنوات المقبلة، وقد بدأ خلال النصف الأول من عام 2026 تنفيذ 343 مشروعاً من أصل 394 مشروعاً مدرجاً ضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي.
فالناقل الوطني للمياه، وسكة حديد ميناء العقبة، ومشاريع الطاقة والغاز، ومدينة عمرة، وغيرها من المشاريع الإستراتيجية، لم تعد مجرد أفكار أو دراسات مؤجلة، وإنما أصبحت جزءاً من أجندة تنفيذية تسعى الحكومة إلى تحويلها إلى واقع، وإن كانت تقف عند مراحل متفاوتة، فبعضها دخل الأعمال التمهيدية، وبعضها أنجز التصاميم والاتفاقيات، فيما ينتظر بعضها الآخر الإغلاق المالي.
ولا تكمن أهمية هذه المشاريع في حجم الاستثمارات التي ستدخل الاقتصاد فقط، وإنما في قدرتها على إعادة تعريف موقع الأردن الاقتصادي، فالاقتصاد الذي ظل لسنوات يوصف بأنه اقتصاد صغير محدود السوق، يمكن أن يصبح أكثر اتصالاً بمحيطه وأكثر اندماجاً في سلاسل الإمداد الإقليمية، خصوصاً عبر السكك الحديدية والموانئ والطاقة والغاز.
ومشروع سكة حديد ميناء العقبة، على سبيل المثال، ينفذ باستثمار أردني– إماراتي يقدر بنحو 2.3 مليار دولار، ويتضمن إنشاء شبكة بطول 360 كيلومتراً تربط مناطق إنتاج الفوسفات والبوتاس بالميناء الصناعي، بطاقة نقل تصل إلى نحو 16 مليون طن سنوياً، ويتوقع استكمال إغلاقه المالي مطلع عام 2027 وتنفيذه خلال خمس سنوات.
ولا ينبغي النظر إلى المشروع باعتباره وسيلة لنقل منتجات التعدين داخل المملكة فقط، فهو يمثل النواة الأولى لشبكة وطنية يمكن أن تتوسع مستقبلاً باتجاه سورية وتركيا وأوروبا، وباتجاه السعودية ودول الخليج، فيما تدرس الحكومة إنشاء وصلة بطول 42 كيلومتراً إلى منطقة معان التنموية، بالتكامل مع مشروع ميناء معان–العقبة البري.
أما الناقل الوطني، فيتجاوز كونه مشروعاً مائياً، فهو استثمار في الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي، بكلفة رأسمالية تقدر بنحو 4.3 مليار دولار وكلفة كلية تصل إلى قرابة 5.8 مليار دولار مع كلف التمويل، ويستهدف تحلية 300 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، بما يغطي نحو 40 % من احتياجات المملكة من مياه الشرب، عبر خط ناقل بطول 438 كيلومتراً، ويتوقع أن يبدأ ضخ المياه في الربع الأخير من عام 2030.
وفي قطاع الطاقة، وقعت الحكومة عقداً لحفر 80 بئراً إنتاجية جديدة في حقل الريشة، بهدف رفع الإنتاج إلى 418 مليون قدم مكعب يومياً بحلول عام 2029، وهي كمية تتوقع الحكومة أن تغطي احتياجات الأردن السنوية من الغاز الطبيعي، كما وقع الأردن اتفاقية لمشروع الأمونيا الخضراء بكلفة مليار دولار وبطاقة إنتاج تبلغ 100 ألف طن سنوياً.
وفي مدينة عمرة، بدأت الأعمال التمهيدية لاستاد الحسين بن عبدالله الثاني الدولي، الذي يتسع لـ46 ألف متفرج، كما اعتمدت تصاميم مركز للمعارض والمؤتمرات بكلفة 50 مليون دينار وطاقة استيعابية تبلغ 15 ألف شخص، إلى جانب مدينة ترفيهية تنفذ مرحلتها الأولى بكلفة 50 مليون دينار.
لكن التحدي الأكبر لا يكمن في إعلان هذه المشاريع، وإنما في تمويلها وتنفيذها دون تحميل الخزينة أعباء تفوق قدرتها، خصوصاً أن موازنة 2026 تستهدف حصر العجز عند 2.125 مليار دينار، أو 4.6 % من الناتج المحلي الإجمالي، وهنا يجب أن تتقدم الشراكات والاستثمار الأجنبي والتمويل التنموي، بدلاً من الاعتماد على الاقتراض الحكومي المباشر.
المطلوب أن تكون هذه المشاريع رافعة للنمو والإيرادات وخلق فرص العمل، وأن تصمم نماذج تمويلها بطريقة لا تزيد العجز أو ترفع المديونية، مع إعلان واضح للكلف والالتزامات والمخاطر التي قد تتحملها المالية العامة مستقبلاً.
الأردن أمام فرصة تاريخية للدخول إلى مئويته الثانية باقتصاد أكثر إنتاجاً واتصالاً بالإقليم، لكن نجاح هذه الرؤية سيقاس بقدرة الحكومة على تحويل المشاريع من خطط إلى أصول منتجة، من دون أن تدفع الخزينة ثمنها على حساب الأجيال المقبلة.







