اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المعايعة يكتب: من بكين إلى مستقبل الشباب الأردني.. زيارة الملك تفتح أبواباً جديدة للعمل والابتكار

{title}
أخبار الأردن -

 

د.يزن ياسين المعايعة

لم تعد زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين إلى الصين مجرد محطة جديدة في مسيرة العلاقات الأردنية الصينية، بل يمكن النظر إليها كفرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة أمام الاقتصاد الأردني، عنوانها الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، وأحد أهم أبطالها الشباب الأردني.

ففي عالم تتغير فيه أسواق العمل بسرعة، وتتقدم فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والصناعات الحديثة، أصبح من الضروري أن يبحث الأردن عن شراكات اقتصادية لا تقتصر على التجارة، وإنما تصنع فرصاً جديدة للشباب، وتمنحهم المهارات والخبرات التي يحتاجونها للنجاح في وظائف المستقبل.

وتأتي زيارة جلالة الملك إلى الصين في توقيت مهم، فالصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر للأردن، والعلاقات بين البلدين تطورت خلال السنوات الماضية إلى شراكة استراتيجية. 
لكن التحدي الحقيقي اليوم هو: كيف نحول هذه الشراكة من أرقام في التجارة والاستيراد إلى مصانع ومشاريع وتكنولوجيا وفرص عمل لشباب الأردن؟

هذه هي الفرصة التي يمكن أن تحملها الزيارة!

فالأردن لا يحتاج فقط إلى استثمارات جديدة، بل يحتاج إلى استثمارات تصنع فرصاً،وكل مصنع صيني يمكن أن يقام في الأردن يمكن أن يعني عشرات أو مئات الوظائف الجديدة، وكل مشروع تكنولوجي يمكن أن يفتح المجال أمام مهندسين ومبرمجين ومختصين، وكل شراكة في الطاقة أو النقل أو الصناعة يمكن أن تمنح الشباب الأردني فرصة للدخول إلى قطاعات جديدة لم تكن متاحة بالشكل الكافي سابقاً.

الشباب ليسوا المستفيد الأخير من الاستثمار.. بل يجب أن يكونوا في قلبه.

وهنا تكمن أهمية الرؤية التي يمكن أن تنتج عن الزيارة الملكية، بحيث يصبح الاستثمار الصيني في الأردن مرتبطاً بشكل مباشر بتدريب الشباب الأردني وتأهيلهم ونقل التكنولوجيا إليهم.

فإذا دخلت شركات صينية متخصصة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة الصناعية إلى السوق الأردني، فإن المطلوب ألا يكون دور الشباب مقتصراً على الوظائف الإدارية، وإنما أن يكونوا جزءاً من عملية التطوير والإنتاج والبحث والابتكار.

وإذا أقيمت مصانع للسيارات الكهربائية أو البطاريات أو معدات الطاقة المتجددة، فيجب أن تترافق هذه المشاريع مع برامج تدريب للشباب في الهندسة والتصنيع والصيانة والبرمجة والتقنيات الحديثة.

وإذا توسعت الاستثمارات في قطاع التعدين والأسمدة والصناعات التحويلية، فيمكن أن تنتقل المملكة من تصدير المواد الخام إلى تصنيعها، وفي الوقت نفسه بناء خبرات أردنية قادرة على العمل في صناعات ذات قيمة مضافة أعلى.

هذه ليست مجرد فرص اقتصادية، بل فرصة لإعادة تشكيل علاقة الشباب بسوق العمل.

فالشاب الأردني اليوم لا يبحث فقط عن وظيفة تقليدية، وإنما يبحث عن فرصة تمكنه من التطور، واكتساب المهارات، وبناء مساره المهني، وربما تأسيس مشروعه الخاص. ولذلك فإن دخول شركات واستثمارات عالمية إلى الأردن يمكن أن يكون عاملاً مهماً في خلق بيئة جديدة للشباب، تجمع بين الوظيفة والتدريب والابتكار وريادة الأعمال.

ومن القطاعات التي يمكن أن يكون لها أثر مباشر على الشباب الاقتصاد الرقمي.

فالعالم يتجه بسرعة نحو الذكاء الاصطناعي والحوسبة والخدمات الرقمية والتجارة الإلكترونية، والأردن يمتلك طاقات شبابية مؤهلة يمكن أن تنافس في هذه المجالات. ومن هنا يمكن للشراكة مع الصين أن تفتح الباب أمام إنشاء مراكز تدريب وبحث وتطوير، وبرامج مشتركة بين الجامعات والشركات، وحاضنات أعمال تساعد الشباب الأردني على تحويل أفكارهم إلى مشاريع قابلة للنمو.

كما يمكن أن تمتد هذه الشراكة إلى دعم الشركات الناشئة الأردنية، من خلال ربط رواد الأعمال الشباب بالمستثمرين والشركات الصينية، وفتح المجال أمام المنتجات والخدمات الأردنية للوصول إلى السوق الصينية والأسواق الآسيوية.

وهنا يتحول الشاب من باحث عن وظيفة إلى صاحب مشروع، ومن مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج لها.

ولا تتوقف الفرص عند التكنولوجيا والصناعة.

فالسياحة يمكن أن تكون مجالاً مهماً للشباب، خصوصاً مع إمكانية زيادة أعداد السياح الصينيين القادمين إلى الأردن. وهذا يعني فرصاً جديدة في الفنادق والمطاعم والنقل والإرشاد السياحي والتسويق وصناعة المحتوى والخدمات الرقمية.

كما أن التعاون في صناعة الأفلام يمكن أن يفتح أبواباً أمام جيل جديد من الشباب الأردني في الإخراج والتصوير والمونتاج والإنتاج والرسوم المتحركة والمؤثرات البصرية، خاصة أن الأردن يمتلك مواقع تصوير مميزة وتجارب متقدمة في استضافة الإنتاجات العالمية.

لكن حتى تتحول هذه الفرص إلى واقع، فإن المطلوب أن تبدأ مرحلة جديدة بعد الزيارة، عنوانها المتابعة والتنفيذ.

فنجاح الزيارة لا يقاس بعدد الاتفاقيات التي يتم توقيعها، وإنما بعدد المشاريع التي تبدأ فعلياً، وعدد الشباب الذين يحصلون على وظائف، وعدد الذين يدخلون برامج تدريب متخصصة، وعدد الشركات الناشئة التي تستفيد من هذه الشراكة.

ومن المهم أن تتضمن المشاريع الاستثمارية الصينية في الأردن أهدافاً واضحة تتعلق بالتشغيل والتدريب ونقل التكنولوجيا، بحيث يصبح للشباب الأردني نصيب واضح في كل مشروع استثماري جديد.

كما أن الجامعات ومؤسسات التدريب المهني والشركات الناشئة يجب أن تكون جزءاً من هذه المعادلة. فالاستثمار الحقيقي لا يبدأ وينتهي داخل المصنع، وإنما يمتد إلى الجامعات ومراكز التدريب والبحث العلمي والمشاريع الصغيرة وسلاسل التوريد.

فكل مشروع كبير يمكن أن يخلق حوله عشرات المشاريع الصغيرة، وكل شركة عالمية يمكن أن تفتح الباب أمام موردين ومقاولين وخدمات محلية، وهذا يعني فرصاً إضافية للشباب الأردني في مختلف المحافظات.

والأردن يمتلك ما يجعله مؤهلاً لذلك؛ موقع جغرافي مهم، وميناء العقبة، ومناطق صناعية وتنموية، وكفاءات بشرية شابة، وشبكة من الاتفاقيات التجارية، إلى جانب الاستقرار الذي يجعله بيئة مناسبة للاستثمار والإنتاج والوصول إلى أسواق المنطقة.

ومن هنا يمكن أن تكون الرسالة الأردنية إلى المستثمر الصيني واضحة،الأردن ليس فقط سوقاً لمنتجاتكم، بل يمكن أن يكون شريكاً في إنتاجها. وشباب الأردن ليسوا فقط قوة عمل، بل قوة ابتكار وإبداع قادرة على أن تكون جزءاً من قصص النجاح الجديدة.

إن زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين إلى الصين تحمل فرصة لبناء نموذج جديد من التعاون، لا تكون فيه العلاقة قائمة فقط على حجم التجارة، وإنما على حجم ما يمكن أن تنتجه هذه العلاقة من مصانع، وتكنولوجيا، وشركات ناشئة، وصادرات، وفرص عمل.

والأهم من ذلك كله، أن تكون هذه الشراكة طريقاً أمام الشباب الأردني لاكتساب مهارات جديدة، والدخول إلى قطاعات المستقبل، والمنافسة في أسواق إقليمية وعالمية.

فالأردن اليوم أمام فرصة لأن يحول موقعه الجغرافي وشراكاته الدولية إلى فرص حقيقية لشبابه.

ومن بكين قد لا تأتي فقط استثمارات جديدة إلى الأردن، بل قد تأتي معها وظائف جديدة، وأفكار جديدة، وتكنولوجيا جديدة، وأبواب جديدة لجيل كامل من الشباب.

وفي النهاية، فإن نجاح زيارة جلالة الملك لن يكون فقط في حجم الاستثمارات التي ستدخل المملكة، وإنما في قدرتنا على تحويل هذه الاستثمارات إلى مستقبل أفضل للشباب الأردني.

فالهدف الحقيقي ليس أن نقول إن الصين أكبر شريك تجاري للأردن، وإنما أن نصل إلى مرحلة نستطيع فيها القول:

الصين شريك الأردن في الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا.. وشباب الأردن شركاء في صناعة المستقبل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية