الذيبة يكتب: عن "جمل المحامل" لسليمان منصور: البقاء لفلسطين
غازي الذيبة
يحدق سليمان منصور في الصورة الفلسطينية، الأرض، المقاومة، الطين، الأشجار، كما لو انه يعيد كتابة قصيدة، تحتمي باللون.
ففي كل مرة كنت التقيه، وهي مرات قليلة جدا، كان الحوار يجري في منطقة واضحة، لا لبس فيها: فلسطين، ومحاول انتشال الصورة التي زجت بها في لوحات المستعمرين الصهاينة والغربيين الصهاينة.
لم يكن غاضبا على صورة الفلسطيني التي ألقي بها في الجب، وتركه أخوته للسيارة. ولم يكن خائفا على المستقبل الذي ستتخلص فيه فلسطين من البشاعة. كان انهماكه بالرسم، يعينه على الرسم أكثر مما لو أراد أن يتحدث في السياسة، ويعيد تشكيل الجمال الفلسطيني بكل مآثره ومآلمه.
اليوم، وهو يرحل عن عالمنا، أعيد نشر مقالي عن لوحته جمل المحامل، التي اشتبكت في حواراتي معه حولها، وسأعيد إدراج الحوار في مقبل الأيام مع شاعر اللون وهو يعيد تركيب المشهد الفلسطيني في نطاقات تنوعت، بدءا من الواقعية وصولا إلى التجريب. كل ذلك في سبيل إعادة صياغة صورة فلسطينه في كل تفصيل لوني انحني بطوله الفارع ليرسمه.
** ** ** **
"جمل المحامل": اللوحة أيضا تقاوم المحو والضياع
في أواخر العام 1973، رسم الفنان الفلسطيني سليمان منصور، لوحة ستصبح واحدة من الأيقونات الخالدة في تاريخ الثقافة الفلسطينية، مكرسا بذلك رؤية جديدة للرسم المقاوم في كفاح الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار الصهيوني.
لم تكن تلك اللوحة التي ارتأى الروائي الفلسطيني إيميل حبيبي أن يطلق عليها اسم "جمل المحامل"، حين شاهدها في معرض جمعية الشبان المسيحية بالقدس المحتلة في العام 1975، لتشع بفائض معناها ورمزيتها، إلا لأنها كانت تفيض بإيماءات مؤثرة تحمل على أكتافها قصة الكفاح والصبر والمجاهدة التي اتسم بها الفلسطينيون في حركة مقاومتهم المستمرة للمستعمر الصهيوني.
احتمت اللوحة التي استلهمها منصور، بقدرتها على الصمود والبقاء، غير آبهة بضياعها عدة مرات، واستمدت استعادتها وتجددها من واقع الحال الذي يعيشه أبناء فلسطين تحت عسف الاحتلال الاستعماري الذي يستخدم كل أدوات القهر، لطمس الروح الكفاحية والثقافية والاجتماعية لهذا الشعب.
ومن وسط عالم الحمّالين الذين تحفل بهم شوارع القدس في تلك الحقبة، بزغت الفكرة حارة أمام منصور: تكثيف جَلَد الفلسطيني وصبره ومقاومته ضد استباحته، وتهميش وجوده. فالحمالون المقدسيون الذين يخرجون من بيوتهم عند أذان الفجر إلى الأسواق بحثا عن لقمة العيش، بحمل أثقال الآخرين، دون التفات إلى ما قد يعانونه من تلك الأثقال، منحوه فرصة لاقتناص واحدة من المظاهر التي تتجسد فيها روح الصبر ومعاني القوة والتحدي، محتشدة بدلالات عميقة لمعاناة الفلسطيني، وهو يحمل ثقل قضيته الهائل على كتفيه، محاولا إبراز حجم ما يواجهه ويعانيه، لكن دون أن يلتفت العالم إليه.
كانت التقاطة منصور للفكرة التي أراد فيها تجسيد قدرة الفلسطيني على احتمال الألم والمجالدة، للاحتفاظ ببقائه ووجوده وكفاحه، قد اجتمعت له عبر المعاينة والرصد لعالم الحمالين، لصياغة لوحته التي عاشت تحت وطأة ضياعها أكثر من مرة، لكنها في كل مرة تُفقد فيها، تعود إلى الحياة ثانية، مقاومة عوامل الحَتِّ الاستعماري، وكوارث النسيان والضياع، متجددة دائما في قدريِّةٍ لا يمكن رؤيتها كصدفة، بل كفعل يمارس تحديه للغياب بالحضور، تحت هراوات المستعمر وبطشه.
في لقائي معه لإعداد حوار حول تجربته في الرسم صيف العام 2003، طلب منصور، أن يقتصر حوارنا على الرسم والتشكيل في فلسطين تحت الاحتلال، ملمحا إلى أنه يريد قول أشياء كثيرة، لم يسبق وأن قالها عن الإنسان المقهور الذي يعيش معاناته، ودون أن ألمح إلى أن دافعي لمحاورته، كان يهدف إلى معرفة الظرف الذي أنتجت فيها "جمل المحامل"، إلى جانب رغبتي في الكشف عن تجربة رسام يعيش تحت سطوة أعتم قوة احتلالية في التاريخ المعاصر، بدا لي أنه اكتشف دوافعي تلك، فابتسم بلطف بالغ، قائلا "لا تدع جمل المحامل تسرق الصور التي يرسمها فنانو بلادنا المحتلة من عينك وعقلك. القصة تتعدى هذه اللوحة التي قلت فيها ما يملأ موسوعة ضخمة في حوارات سابقة. كل رسم لفنان أو فنانة في فلسطين، يحمل وجعا خاصا، صَنّعه الاحتلال في معامل القهر والموت".
بقيت "جمل المحامل" في مرسم منصور حتى عرضها في العام 1975 للجمهور، دون أن يضع لها اسما، وقد قال لي قبل بدئنا بتسجيل الحوار "لم أصدق ما نالته من انتباه جماهيري. رسمتها بوازع الكشف عن تجربة الصبر والمجاهدة في بقاء شعبي وصموده. أردت أن أقول شيئا حقيقيا عن صيرورة الفلسطيني الذي تمكن من الاستمرار في الحياة والنضال، برغم كل عمليات الطمس التي مارسها المستعمرون لتهميش وجوده الإنساني والثقافي".
وابتسم وهو يوضح لي كم كان متخوفا "من أن يفسر (ختياري)، يقصد الحمال بطل اللوحة بالمحكية الفلسطينية، حامل قبة الصخرة والقدس في قلب عين كبيرة فوق أكتافه، ومنحنيا من ثقل الحمل، برغم تشديدي على قبضتيه القويتين، وهما يضغطان على حبل الحمالين، من أن يقال إنني رسمت عملا يظهر ضعف الفلسطيني".
كان الحديث الذي جرى بيني وبينه خارج سياق الحوار الذي نشرته لاحقا، يتأمل فصلا من فصول تجربته، يستفيض في أكثر من اتجاه، وهو يكشف عن أن فكرة اللوحة التي أصبحت غنائية ملحمية، تتفتح على مشهد حمّال مقدسي كهل، كان رآه في شوارع القدس العتيقة، ليلهمه هذه اللوحة، دفع الشبان الذي نظموا له المعرض في الجمعية، لاعتبارها عملا فنيا يعبر عن قوة الفلسطيني وبطولته في مقاومة النسيان والتغييب، لكن تخوفه ظل يؤرقه، فهذه المجموعة لم تكن لتقنعه بما منحتهم إياه لوحته، إلا بعد أن بدأوا يطبعون نسخا عنها، وتتحول إلى عمل فني شعبي، صارت نسخه تتداول على نحو لم تحققه أي لوحة فلسطينية من قبل، وربما من بعد، فأصبح كل بيت في فلسطين المحتلة، يعلق واحدة من نسخها على جدرانه.
ساعتها بدأ يتيقن من أن عمله لم يذهب سدى، وأن اسمها "جمل المحامل"، الذي اختاره حبيبي ولم يناقشه فيه، بدا له متطابقا مع رؤيته وتصوره عن اللوحة، وربما كان تأثير انتشارها الواسع بين الناس عليه، لتغدو شعبية في حضورها القوي داخل البيوت والأندية والمؤسسات والمدارس والجامعات، هو من جعله يرى في بساطة الاسم، تكثيفا للحالة التي صاغتها في الوجدان الجمعي، كأيقونة تحكي معاناة الفلسطيني وصموده في وجه طمسِ ملامحه.
بقيت هذه اللوحة التي أثثت لسيرة عمل فني شعبي، ستظهر تأثيراته تاليا في لوحات لرسامين فلسطينيين وعرب، وحتى أجانب، تقتبس من فضائها، رموزا وملامح، حملت من المباشرة والرمزية وبساطة التكوين، ما لم تحمله لوحة فنية لفنان فلسطيني قبلها، محققة حضورا بصريا كبيرا في فلسطين المحتلة، ثم في خارجها، لتظهر على وقع انتشارها لوحات عديدة لفنانين فلسطينيين وعرب وعالميين، يستلهمون قوة تأثيرها في أعمالهم، وأضحت حاضنة لسلسلة أعمال فنية مستقاة من يوميات وحالات الإنسان الفلسطيني المقاوم وبيئته ورموزه الشعبية والتاريخية، لينتج عن ذلك مدونة بصرية لأعمال جديدة، ما تزال إلى اليوم تستعاد وتكرس صورة مختلفة عن العمل الفني الذي يقاوم النسيان بقوة أثرة، وكثافة معناه، وقدرته على اختزال ملحمة العذاب الفلسطيني في لوحة رسم.
هذا لا يعني، كما يقول منصور، أن مثل هذه القوة التي شعت بها اللوحة بتأثيراتها على الرسم الفلسطيني والعربي، لم تكن موجودة من قبل، لكنها وَجدت في انتشارها الكبير بين الناس، مبعثا على الاستفادة مما صاغته في وجداننا الجمعي، وتنويعا على ما تتدفق به حركة الكفاح الفلسطينية اليومية في مواجهة المستعمر.
ظلت لوحة منصور، المولود في مدينة بير زيت عام 1947، وعاش في القدس المحتلة بعدها، ليغدو ابنا لها، تحضر في كل مناسبة تتعلق بفلسطين، وانتشرت نسخ عنها في أكثر من مكان في الدول العربية والإسلامية والعالم، لكن "جمل المحامل" المستقاة، بعد رصد ومعاينة من الفنان، لقوة الحمال المقدسي على حمل أضعاف حجمه، والسير به في شوارع القدس العتيقة، دون أن يبدو عليه التعب أو التراخي، فُقدت حينها في ظروف غامضة.
أعاد منصور رسم لوحته ثانية، لتجد طريقها إلى العرض في العام 1976 بمدينة عمان، فيقتنيها دبلوماسي ليبي، قدمها هدية إلى رئيس بلاده معمر القذافي، لكن قدرها سيظل غريبا، فاللوحة التي يكاد كل بيت فلسطيني يحتفظ بنسخة منها، لم تلبث أن فقدت مرة أخرى، أو دمرت خلال الغارات الأميركية على ليبيا في العام 1986، وكأنه أريد لها أن تكون الى جانب ثيمتها المقاومة، أن تواجه ألوانا من الاحتلالات والاعتداءات والغارات والضياع، في وقت استمر فيها استنساخها وإعادة رسمها وحفظها بدون توقف، لتتحدى بذلك الغياب والنسيان، في إيماءة تتجلى فيها المعاني التي أرستها في الوجدان.
تشبه هذه اللوحة في صيغتها التراجيدية، طائر الفينينق الكنعاني الذي تحتشد أسطورته بالفكرة الأبدية عن الخلود، والنهوض في كل مرة من الفناء إلى الحياة، لتدريب الألم والعذاب على التحمل، ومنح هذا الطائر المدهش في مقاومته، القدرة على الانبعاث في اللحظة التي يصمت فيها جرس الذاكرة عن دق جدران بئر النسيان، لاستعادة الحياة مرة ثانية وثالثة وإلى ما لا نهاية.
بقيت العين التي رفعها الحمال المقدسي على أكتافه، محتضنة التعويذة الأبدية للحياة: صورة قبة الصخرة ومباني القدس العتيقة وهي تتمدد على تراب زمن محتشد بقوة البقاء الفلسطيني، ومقاومة المحو، مشعة فيه بحيوات تنبض بالديمومة، متحدية الاستعمار الاحتلالي والموت والسلب والقصف والفقد.
في العام 2005 أعاد منصور رسم اللوحة مرة أخرى، مضيفا إليها رسما لكنيسة القيامة مجاورا لمسجد قبة الصخرة، وكأنها في كل مرة تُفقد فيها، أو تضيع، تضيء مساحة جديدة من الوعي بفلسطين المحتلة، وفصاحة وجودها المادي والمعنوي على كوكب، بات يتعمد إشاحة بصره عن القضايا العادلة، برغم قوة عين "جمل المحامل" التي ثقبت جدران بئر النسيان عدة مرات، وستستمر بثقبه، حتى يستعيد الفلسطيني وجوده الكامل ومعناه، ولتبقى هذه اللوحة التي تتنفس على جدران متحف رمزي دلول في بيروت، حاضرة حتى لو فقدت أو غُيِّبت، أو ضاعت، فستعود مرة أخرى، كقوة تنتجها فرادة الروح الفلسطينية في اجتراح أدوات جديدة، تنضاف إلى قاموس الأساليب الثقافية في مقاومة الاستعمار من أجل الحرية.






