اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المنسي يكتب: حين تتراجع النخب يتقدم الضجيج

{title}
أخبار الأردن -

 

جهاد المنسي


ثمة سؤال يستحق أن نطرحه بجدية، بعيداً عن المجاملات والحسابات الضيقة، هل نحتاج في الأردن إلى مزيد من الكلام في الشأن العام، أم إلى مزيد من العمل العام الحقيقي؟
 

المشهد اليوم يقول إن الكلام أصبح أكثر من اللازم، بينما الحضور السياسي والفكري المؤثر ما يزال أقل من المطلوب، وخاصة أن الجميع بات يحضر عبر الفضاء الإلكتروني فلدينا آلاف المتحدثين، ومئات المنابر، وملايين الآراء؛ محللين سياسيين، ورياضيين، واقتصاديين، وصحيين، واجتماعيين، ونفسيين، ثم نكتشف في النهاية أن المواطن أصبح أمام كمّ هائل من الروايات المتناقضة، لا يعرف أيها يصدق وأيها يترك جانباً.
المشكلة ليست في تعدد الآراء، فالتعدد فضيلة، والنقد ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتقدم، المشكلة حين يتحول تعدد وجهات النظر إلى فوضى في إنتاج الحقيقة، وحين يصبح صاحب الصوت الأعلى هو الأكثر حضوراً، لا صاحب الفكرة الأكثر صواباً.
الأردن، في هذه المرحلة، يحتاج إلى رفع سقف العمل العام، لا سقف الصوت فقط، يحتاج إلى نخب سياسية حقيقية تعرف معنى الدولة، وتفهم المجتمع، وتمتلك القدرة على قراءة التحولات، وتعرف كيف تخاطب الناس بلغة تقنعهم لا بلغة تستعرض أمامهم، وهذا ليس ترفاً سياسياً، فمسار التحديث السياسي نفسه يقوم في أحد أهم جوانبه، على إنتاج حياة حزبية وبرلمانية قادرة على إفراز قيادات جديدة، وقد أكدت نقاشات رسمية وأبحاث حديثة أن أحد التحديات الأساسية يتمثل في قدرة الحياة السياسية على إنتاج نخب مؤهلة وقادرة على الحضور والتأثير.
نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة (النخبة)، لا بمعناها الطبقي أو المغلق، وإنما بمعناها الوطني، أشخاص يمتلكون المعرفة والخبرة والشجاعة والقدرة على تحمّل المسؤولية، ويستطيعون أن يكونوا جزءاً من صناعة القرار لا مجرد التعليق عليه.
والأهم أننا بحاجة إلى تغيير طريقة تعاملنا مع السرديات الوطنية، فالدولة لا يجوز أن تترك روايتها الوطنية في مواجهة مئات الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا أن تكتفي بالبيان الرسمي عندما يكون الفضاء العام قد امتلأ بعشرات التفسيرات والتأويلات، الرواية الوطنية الحديثة تحتاج إلى من ينتجها، ويدافع عنها، ويشرحها، ويقدمها بلغة يفهمها الناس، وليس وفق الأهواء والمزاج والفكرة المسبقة.
وهنا يأتي دور السياسي الحقيقي، فالسياسي ليس من يظهر عند الانتخابات، وإنما من يستطيع أن يبني فكرة ويقود نقاشاً ويصوغ موقفاً ويشرح للناس لماذا اتخذت الدولة هذا القرار أو ذاك، وماذا تريد من المستقبل، وهذا يفرض علينا أن ننتج (ماكينات سياسية) حقيقية؛ لا أقصد بها الآلة الانتخابية بمعناها الضيق، بل القدرة على التنظيم، والتواصل، وإنتاج الأفكار، وإدارة الحملات، وفهم المجتمع، وبناء الكوادر، والاستمرار في العمل بين الانتخابات والانتخابات.
المواطن لا يريد أن يسمع رواية واحدة، لكنه يريد أن يسمع روايات جادة، مدعومة بالمعلومة، ويعرف من يقف خلفها، وما مصلحته، وما دليله، المطلوب إذن ليس إسكات المليون محلل، وإنما إنتاج ألف صاحب معرفة، ومائة قائد سياسي، وعشرة مشاريع وطنية قادرة على المنافسة في سوق الأفكار.
الأردن لا تنقصه الكفاءات، وإنما يحتاج إلى منظومة تكتشفها وتدفع بها إلى الصفوف الأولى، وإذا أردنا فعلاً أن يكون التحديث السياسي مشروعاً مستداماً، فعلينا أن ننتقل من سؤال: من يتحدث؟ إلى سؤال أكثر أهمية: من يستطيع أن يقود؟ تلك هي المعركة الحقيقية في العمل العام: أن نعيد للسياسة معناها، وللنخبة دورها، وللفكرة قيمتها، وللرواية الوطنية أصحابها، فالدولة القوية لا تخاف من تعدد الأصوات؛ لكنها تحتاج دائماً إلى أصوات تعرف ماذا تقول، ولماذا تقول، وإلى أين تريد أن تصل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية