اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نادية سعدالدين تكتب: آيزنكوت: جنرال "عقيدة الضاحية"

{title}
أخبار الأردن -

 

نادية سعدالدين


 في أحدث استطلاعات الرأي لانتخابات “الكنيست” بأكتوبر المقبل؛ يتصدر رئيس أركان جيش الاحتلال السابق ورئيس حزب “يشار” (الاستقامة) “غادي آيزنكوت” واجهة المشهد السياسي بحصوله على ما بين 24 إلى 26 مقعداً متفوقاً على حزب “الليكود” بزعامة “بنيامين نتنياهو” الذي تراجع للمرتبة الثانية، كما حظي بثقة شعبية تفوق 52 % في ملائمته لمنصب رئيس الوزراء مقابل 38 % لمنافسه الرئيسي.
 

  هذه النسب ليست ثابتة وقد تتغير في أي لحظة خلال الفترة المتبقية على موعد إجراء الانتخابات، ولكنها تبرز “آيزنكوت” كأقوى مرشح حتى الآن لإنهاء الحقبة السياسية الطويلة لنتنياهو، وتعكس دلالة الصعود المُفاجئ الذي لا يُعبر عن جنوح المستوطنين اليهود نحو السلام، بل نزوع أكثر للعنف، عند الالتفاف حول عراب الدمار الشامل والمهندس الفعلي لسياسة “الأرض المحروقة” والمنادي بإبادة الفلسطينيين والعرب لتحقيق الأمن الصهيوني.
  ورغم محاولات تقديمه كشخصية معتدلة أو براغماتية، إلا أن مسار “آيزنكوت” داخل لواء “غولاني” الدموي حتى قيادته (1997) وصولاً لرئاسة الأركان العامة (عامي 2015 و2019) يفيض بالعداء المطلق للفلسطينيين والعرب، بصفته صاحب الإستراتيجيات الأكثر تدميراً في تاريخ الصراع العربي – الصهيوني، لاسيما “استراتيجية الضاحية” التي أضحت جزءاً محورياً من العقيدة القتالية لجيش الاحتلال، عقب تطويرها خلال العدوان على لبنان عام 2006 ومن ثم تطبيقها بأبشع صورها أثناء حرب الإبادة ضد قطاع غزة حينما انضم إلى “مجلس الحرب” بأكتوبر 2023 قبيل استقالته عام 2024 لخلافه مع “نتنياهو”، وتقوم على استخدام القوة المفرطة لتدمير البنى التحتية المدنية (محطات الكهرباء والمياه والموانئ والمشافي)، وتسوية ألأحياء السكنية بالأرض وهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وجعل المنطقة غير صالحة للعيش حتى بعد وقف القتال، مع محاولة إيجاد الفوضى داخل حاضنة المقاومة لتشكيل ضغط شعبي عليها، ولكنها محاولة لم تنجح سواء في غزة أم لبنان.
  ولأن سجل “آيزنكوت” حافل بالإجرام؛ فإن بصماته الدموية تمتد لقمع مسيرات العودة في غزة (2018) بالقوة المسلحة ضد المتظاهرين الفلسطينيين العُزل مما أدى لارتقاء 200 شهيد فلسطيني وإصابة آخرين بجروح بليغة، بينما يعد شريكاً مؤثراً، لاحقاً، في اتخاذ قرارات التدمير الشامل للقطاع بعد استقالته من “مجلس الحرب”.
  وعلى عكس اليمين المتطرف، أمثال “بن غفير” و”سموتريتيش”؛ لا يُطلق “آيزنكوت” تصريحات شعبوية فجة، بل يصيغ عنصريته في قوالب عدائية ترفض “حل الدولتين” وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتدعو لقمع الحقوق الفلسطينية ولزخم الاستيطان والاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى وغور الأردن تحت سيطرة الاحتلال الكاملة، وتكريس نظام الفصل العنصري “الأبرتهايد”، وتفعيل “عقيدة الضاحية” بصورة أكبر ضد غزة ولبنان. وسواء تم استخدام “البروبوغاندا” أم لا، فإن المرحلة القادمة به ستكون قاتمة.
  إن تصدر “آيزنكوت” استطلاعات الرأي متفوقاً على “الليكود” وتحالف بينيت – لبيد، يعكس رغبة الناخب المُنهك من الحروب والأزمات الاقتصادية في استبدال الفوضى والفساد السياسي بالصرامة العسكرية المؤسسية التي تُركز على قضايا داخلية مهمة مثل إلزام “الحريديم” بالخدمة العسكرية الإجبارية لسد النقص في جيش الاحتلال، وحماية استقلال القضاء، مثلما يرتبط باتساع دائرة التعاطف الشعبي معه بعد مقتل ابنه الأصغر واثنين من أبناء إخوته وأيديهم مُلطخة بالدم الفلسطيني في غزة أثناء حرب الإبادة، مما أكسبه “مشروعية التضحية” المزعومة لقيادة الكيان المحتل.
  ومع ذلك؛ فإن كتلة المعارضة الصهيونية التي يقودها “آيزنكوت” تجمع بين 57 إلى 60 مقعداً، بما يقل بمقعد أو مقعدين عن الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة (61 مقعداً)، مما يضعه أمام معضلة كبرى، فهو يرفض الائتلاف مع اليمين المتطرف، مما قد يجبره للاعتماد على الأحزاب العربية في “الكنيست” لتشكيل شبكة أمان لحكومته. وهنا يسعى “نتنياهو” وحلفاؤه لاستغلال تلك النقطة باتهامه بالتحالف مع الفلسطينيين العرب، وهي مادة دسمة تثير الفزع ليس فقط عند ناخبي اليمين المتطرف، بل أيضاً داخل كيان محتل ينحو لمزيد من الغلو والتطرف.
  وفي ظل كيان استعماري استيطاني إحلالي؛ فإن المقاعد الرئاسية والبرلمانية تتبادل بين “جنرالات” حرب يمتلكون سجلات حافلة بالإجرام ضد الفلسطينيين والعرب، على شاكلة “آيزنكوت” الذي لا يعني صعوده حدوث تغيير دراماتيكي في المشروع الصهيوني، بل لأن الناخب يفضل الآن أن يقوده صاحب الخوذة العسكرية العدائية بدلاً من سياسي مأزوم يُحارب لأجل بقائه الشخصي.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية