اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

شلبي يكتب : القدس بين استهداف الوجود وديمومة الشاهد الحضاري

{title}
أخبار الأردن -

الوجود هو كل ما يتحقق ويحيا في الواقع أو الذهن وهو ثابت وله حقيقة، وهوعكس العدم الذي هو النفي التام للوجود أو اللا شيء المحض. وعندما يكون تحقق الوجود مادياً محسوساً في الكون فيسمى الوجود الخارجي، وحينما يكون على شكل صور للأشياء ومعانيها التي تدرك وتترسخ في العقل فهو وجود ذهني، وقد يكون لفظياً في اللسان ورسمياً في الكتابة.

استهداف الوجود
قد يتعرض وجود أي كيان إلى استهداف بقصد إلغاء بقائه أي إلغاء ما يتكون منه ذلك الكيان أو اقتتطاع جزء منه بعد أن يتم جعله هدفاً للمهاجمة أو الإلغاء أو التهديد المباشر. ويتمثل مصطلح استهداف الوجود على المستوى الاجتماعي والفلسفي بشعور الفرد أو الجماعة بأن هويتهم وثقافتهم وحقهم في الحياة قد بات معرضاً للرفض أو الاقصاء المستمر. بينما يمتد هذا المفهوم سياسياً وعسكرياً نحو إحاطة الجماعة أو الشعب أو الهوية بالخطر أو اضعاف كيانهم.
وفيما يتعلق بالقدس فعلى الرغم مما أخذت تتعرض له من استهداف عبر مراحل زمنية عديدة، إلا أنها بقيت أكثر من مدينةٍ تسكنها الجغرافيا؛ وظلّت كيان شاخص لها ذاكرةٌ حيّة، ورمزٌ ديني وحضاري، ومستودعٌ لتاريخٍ طويل تشكّل عبر قرون من التفاعل الإنساني والثقافي والديني.
وشهدت القدس صراعات عدة لم تكن على الأرض وحدها، بل امتدّ اغلب تلك الصراعات ليطال الإنسان، والهوية، والذاكرة، والشواهد التي تحفظ للمدينة ملامحها وتاريخها.ورغم تلك الصراعات وذلك الاستهداف بقيت القدس واقفةً محافظة على وجودها لأصالة حضارتها المتراكمة القادرة على البقاء كشاهد لا يمحوه الزمن.
ويلاحظ إن استهداف الوجود الذي تعرضت له القدس خلال القرن العشرين من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي أخذ أشكالاً عدة من أهمها:

أولا: محاولات التغيير الديموغرافي والجغرافي
سعت سلطات الاحتلال وما تزال بشتى الطرق إلى تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وفرض واقع جديد يغير ملامحها الديموغرافية والسياسية، وذلك من خلال اتباع اجراءات عدة، من أبرزها:
1. التهجير القسري والاستيطان: تقوم قوات الاحتلال بسحب الهويات وإبعاد المقدسيين عن مدينتهم، وبناء البؤر الاستيطانية ومحاصرة الأحياء العربية بحزام استيطاني فاصل، وهذا كله لا يقتصر على التغيير المادي في المكان، وإنما اتخذ أشكالاً متعددة تمسّ حياة السكان، وحقهم في السكن والعمل والتعليم، حيث قامت سلطات الاحتلال بإعادة تشكيل المشهد العمراني والديموغرافي والثقافي للمدينة. فالإنسان المقدسي ليس مجرد ساكن في مكان، بل هو جزء من هوية المكان وذاكرته واستمراريته. وكلما تعرض وجوده لضغوط الإقصاء أو التهجير أو التضييق، أصبح الحفاظ على حضوره فعلاً من أفعال حماية الذاكرة والهوية.
وقامت سلطات الاحتلال أيضاً باتباع سياسة هدم المنازل وفرض قيود تعجيزية على البناء المقدسي وتنفيذ عمليات هدم واسعة بحجة عدم الترخيص، إلى جانب التضييق الاقتصادي من خلال فرض ضرائب باهظة وعقوبات مالية تدفع السكان للهجرة القسرية.
2. تغيير المعالم التاريخية والدينية والمعمارية: في موازاة التهجير والاستيطان، تتعرض المعالم التاريخية والدينية والعمرانية لخطر التغيير أو الطمس أو إعادة توظيف الذاكرة بما يخدم رواية أحادية. فالمدينة التي تحمل في أحيائها وأزقتها وأسواقها ودور عبادتها آثار حضارات متعاقبة، لا يمكن اختزال تاريخها في مرحلة واحدة أو رواية واحدة. إذ إن الحجارة القديمة في القدس ليست جماداً صامتاً؛ إنها وثائق مفتوحة تروي قصص الذين عاشوا فيها، وصلّوا في رحابها، وأسهموا في تشكيل شخصيتها الحضارية.

ثانيا: ايجاد عدد من التحديات المباشرة
تتعرض مدينة القدس وسكانها العرب لتحديات جسيمة جراء الاحتلال الإسرائيلي، كمحاولات التهويد والضم غير القانوني، إلى جانب سياسات سحب الهويات والتهجير القسري، والتضييق العمراني، وعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، في تحدٍ صريح لقرارات القانون الدولي والأمم المتحدة. وتنقسم هذه التحديات إلى:
1. التحديات القانونية: ومن أبرز هذه التحديات:
• قانون الضم وبطلانه: أصدرت إسرائيل قانون "القدس عاصمة إسرائيل" عام 1980 لضم القدس الشرقية، وهو إجراء اعتبرته قرارات الأمم المتحدة (مثل قرار مجلس الأمن 478) باطلاً وغير شرعي.
• مكانة السكان كـ "مقيمي دائمين": يُعامل السكان العرب كأجانب أو مقيمين تحت قانون الدخول لإسرائيل، وليسوا مواطنين أصليين، مما يسهل سحب إقاماتهم وهوياتهم في حال غيابهم عن المدينة لفترات محددة.
• قيود البناء وهدم المنازل: تفرض سلطات الاحتلال شروطاً تعجيزية لمعالجة تراخيص البناء، وتهدم مئات المنازل بحجة البناء دون ترخيص، بهدف تقليص الوجود الديموغرافي العربي.
• قانون أملاك الغائبين: يُستخدم للاستولاء على عقارات وأراضي الفلسطينيين الذين غادروا أو هجروا، ونقل ملكيتها للمؤسسات الاستيطانية.
2. التحديات السياسية: ومن أبرز هذه التحديات:
• تغيير الوضع القائم (Status Quo): فرض وقائع سياسية تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية الأحادية على المدينة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، لا سيما محاولات التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى.
• العزل الجغرافي والسياسي: بناء جدار الفصل العنصري وعزل القدس عن مدن الضفة الغربية الرئيسية (مثل رام الله وبيت لحم)، لقطع التواصل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
• التوسع الاستيطاني: زرع القدس الشرقية بحزام من المستوطنات الكبرى لفصل الأحياء العربية وتفتيت نسيجها الحضري وتحويلها لأقلية عددية.
• استهداف المؤسسات الوطنية: إغلاق المؤسسات الفلسطينية الرسمية والتعليمية والثقافية في القدس ومحاربة أي نشاط سياسي أو سيادي فلسطيني فيها.

الشاهد الحضاري
تكمن أهمية الشاهد الحضاري في قدرته على مقاومة النسيان. فالمبنى التاريخي، والحي القديم، والسوق، ودور العبادة، والمخطوط، والصورة، والرواية الشفوية، كلها حلقات في سلسلة الذاكرة التي تربط الحاضر بالماضي. ولذلك فإن حماية التراث المقدسي ليست ترفاً ثقافياً، وإنما مسؤولية تتصل بحماية الحق في الذاكرة، وصون التعدد الحضاري الذي منح القدس مكانتها الاستثنائية.
والقدس، في هذا السياق، تقدم نموذجاً فريداً لمدينة لم تستطع التحولات السياسية المتعاقبة أن تلغي طبقاتها الحضارية. فقد تعاقبت عليها حضارات وشعوب وأديان، وتركت كل مرحلة آثارها في نسيجها العمراني والثقافي. ومن هنا فإن قوة القدس لا تكمن في حجر منفرد أو معلم بعينه، بل في هذا التراكم الحضاري الذي جعل منها مدينة متعددة الطبقات، عصية على الاختزال.
ويتمثل الشاهد الحضاري الإسلامي والمسيحي في القدس في الوجود الروحي، والمعماري، والثقافي المتجذر عبر القرون، والذي يظهر في تكامل المعالم المقدسة والعيش المشترك بين أبناء الديانتين.
الشاهد الحضاري الإسلامي
يبرز الشاهد الحضاري الإسلامي في مدينة القدس من خلال عدد من المثابات الحضارية والتي بقيت شاخصة رغم استهدافها من قبل قوات الاحتلال، ولعل من أبرزها:
• المسجد الأقصى المبارك: يضم المصلى القبلي، وقبة الصخرة المشرفة، ويمثل مركز الإسراء والمعراج والقبلة الأولى.
• العمارة والقباب: تبرز قبة الصخرة كأحد أهم تحف العمارة الإسلامية الأموية في التاريخ.
• المدارس والزوايا: تنتشر المدارس المملوكية والعثمانية كالمنصورة والأسدية، إلى جانب الوقف الإسلامي والرباط.
• العهدة العمريَّة: وثيقة العدل والتسامح التي ضمنت للمسيحيين حريتهم وأماكن عبادتهم بعهد من الخليفة عمر بن الخطاب.
الشاهد الحضاري المسيحي
يتجلى هذا الشاهد واضحاً في عدد من الأماكن المقدسة والمهام التي تؤديها هذه الأماكن، والتي من أبرزها:
• كنيسة القيامة: أقدس المواقع المسيحية في العالم، وتضم مكان الصلب والقيامة.
• طريق الآلام (Via Dolorosa): المسار التاريخي الذي سار عليه السيد المسيح نحو صليبه.
• الأديرة والكنائس: مثل كنيسة الجثمانية، ودير المخلص، وكنسية مريم المجدلية ببرجها الروسي المميز.
• حراسة الأراضي المقدسة: الوجود التاريخي العريق للطوائف المسيحية ومؤسساتها الإنسانية والتعليمية

وفي مواجهة استهداف الوجود والشاهد الحضاري معاً، تبرز مسؤولية المقدسيين والمؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية والباحثين في توثيق المدينة وحفظ روايتها الإنسانية. فالتوثيق العلمي للمعالم والمباني والأحياء، والعناية بالتراث غير المادي، وتعليم الأجيال تاريخ المدينة، وإبراز مكانتها في الوعي العربي والإسلامي والإنساني، كلها أدوات ضرورية لمواجهة النسيان والتزييف.
كما أن صمود المجتمع المقدسي يمثل أحد أهم عناصر استمرار الشاهد الحضاري. فالتراث لا يعيش في المتاحف وحدها، وإنما يعيش في الناس الذين يحافظون على عاداتهم، ولغتهم، وذاكرتهم، وعلاقاتهم بالمكان. ولذلك فإن دعم الإنسان المقدسي وحماية حقه في البقاء والحياة الكريمة في مدينته يشكلان جزءاً أساسياً من حماية القدس نفسها.
إن المعركة على القدس ليست معركة حجارة فحسب، بل معركة على معنى المكان ومن يملك حق روايته. وفي الوقت الذي يمكن فيه تغيير بعض ملامح المدن بفعل السياسات والتحولات، يصعب اقتلاع الذاكرة المتجذرة في وجدان أهلها وفي آثارها وشواهدها التاريخية. ولهذا تبقى القدس شاهداً حضارياً حياً، يحمل في طبقاته المتراكمة دليلاً على عمق تاريخها وتنوعها، وعلى أن المدن العريقة لا تُختصر بحدود سياسية عابرة ولا تُمحى ذاكرتها بسهولة.
لذلك جاءت فكرة حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس من خلال الوصاية الهاشمية التاريخية التي يتولاه الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم إذ يمارس الأردن هذا الدور القانوني والتاريخي لصون الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة، عبر إدارة أوقاف القدس التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية وتنفيذ مشاريع الإعمار الهاشمي المستمرة، والتي يمكن ملاحظتها من خلال:


الرعاية الأردنية للمقدسات الإسلامية
• إدارة الأوقاف: تشرف دائرة أوقاف القدس وشؤون المسجد الأقصى التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية بشكل مباشر على إدارة الحرم القدسي الشريف وموظفيه وحراسه.
• الإعمارات الهاشمية: شهد المسجد الأقصى وقبة الصخرة خمس مراحل متواصلة من الترميم والصيانة الشاملة للبناء والزخارف والفسيفساء.
• الصندوق الهاشمي: تأسس عام 2007 لتوفير تمويل دائم ومستمر لمشاريع الصيانة ورعاية العاملين والمرابطين في المسجد الأقصى.

الرعاية الأردنية للمقدسات المسيحية
• دعم الوجود المسيحي: يحرص الأردن على حماية حقوق الطوائف المسيحية وحريتها الدينية في القدس.
• ترميم كنيسة القيامة: تبرع جلالة الملك عبدالله الثاني على نفقته الخاصة بترميم القبر المقدس في كنيسة القيامة عام 2016 ، ومساهمات أخرى لاحقة لدعم الكنيسة تأكيداً على قيم العيش المشترك.
كما تنشط الدبلوماسية الأردنية والموقف السياسي في حماية المقدسات من خلال بذل الجهود المستمرة بالاستناد إلى:
• الوضع القانوني: يتمسك الأردن بالحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم (Status Quo) في القدس.
• الرفض الدولي للإجراءات الأحادية: يعد الأردن القدس الشرقية أرضاً محتلة، ويرفض أي محاولات إسرائيلية لتغيير طابعها أو المساس بالدور الأردني فيها.

وفي النهاية، فإن مدينة القدس المحتلة ستبقى العنوان الأبرز لصراع الوجود والهوية، كون ما تتعرض له من استهداف ممنهج يطال الإنسان والحجر والعقيدة، يقابله ما تمتلكه من إرث حضاري وتاريخي راسخ يثبت عروبتها وإسلاميتها وهويتها الفلسطينية كشاهد حي لا يمكن طمسه.
إن حماية القدس تبدأ من حماية الإنسان، وتمتد إلى حماية المكان والهوية والتراث والذاكرة. وبين استهداف الوجود ومحاولات طمس الشاهد الحضاري، تظل القدس حقيقة واقعة ووجود شاخص مرتبط بقدرة أهلها ومحبيها والباحثين في تاريخها على حفظ تلك الحقيقة، وتوثيقها، ونقلها إلى الأجيال القادمة. فالقدس ليست ماضياً يُستعاد فحسب، وإنما حاضرٌ يُصان ومستقبلٌ تُحفظ له ذاكرته؛ وكل حجر فيها، وكل حكاية من حكايات أهلها، يظل شاهداً على مدينة استطاعت، رغم كل التحولات، أن تبقى حاضرة في التاريخ والوجدان.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية