خريسات يكتب: تمويل مكافحة الفساد من منابعه
رامي خريسات
غالباً ما تظل خفايا الفساد حبيسة الجدران لا يستجلِيها إلا من هم في داخلها، وهنا يقف الموظف أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما السلامة بالصمت حفاظاً على وظيفته وسمعته المهنية، أو الإبلاغ مع ما يحمله من مخاطر التعرض للانتقام الوظيفي غير المباشر، ومردود مادي هزيل يقتصر على إعانة مالية تصرف بعد وقوع الضرر فعلياً.
الأصل مكافأة المُبلّغ على إقدامه وتحفيزه قبل وقوع الضرر؛ فقد أثبتت الممارسات الدولية أن آليات الحماية التقليدية لم تعد كافية لتفكيك شبكات الفساد المعقّدة، بل باتت الحاجة ماسة لحوافز إيجابية تحول الإبلاغ من مخاطرة شخصية إلى منفعة مشتركة بين المُبلّغ والخزينة العامة.
ولهذا التحقت أفضل الممارسات الدولية بمدرسة المكافأة المالية الإيجابية بدلاً من الاقتصار على درء الضرر وحماية المُبلّغ من الانتقام؛ إذ إن التقاعس عن هذا التحول يعني استمرار نزيف المال العام.
والأدلة على ذلك ماثلة للعيان: فقد ذكرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) في دراسة حديثة أن 69 % من أصل 72.6 مليار دولار استردتها وزارة العدل الأميركية في قضايا الاحتيال المتعلقة بالأموال الحكومية خلال الفترة 1986–2022، كانت بفضل معلومات مستقاة من مُبلّغين محفزين مالياً.
كما ثبت في الولايات المتحدة أن كل دولار واحد ينفق كمكافأة تشجيعية للمبلغين، يحقق عائدًا يتراوح بين 6 إلى 10 دولارات من الأموال المستردة. أي أن نسبة العائد على الاستثمار (ROI) تبلغ 1:6 كحد أدنى، مما يحوّل المكافآت من كلفة غير مستردة إلى استثمار سيادي عالي الربحية.
أردنياً، يعد وجود حافز مالي قانوني هو الركيزة التي تحقق منفعة مشتركة للمُبلِّغ وللخزينة. وتتجلى الفكرة في إنشاء صندوق مستقل لمكافآت المبلغين، يمنح بموجبه المبلّغ نسبة مئوية محددة من الأموال المستردة فعلياً، مع وضع سقوف محددة. وليس بالضرورة أن يموّل من الموازنة العامة؛ بل يغذى باقتطاع نسبة ضئيلة من الأموال التي تُسترد فعلياً. وبذلك لا تتحمل الخزينة أي عبء إضافي، بل يتحول الصندوق إلى أداة مكتفية ذاتياً، ويصبح كل نجاح في استرداد المال العام مصدراً لتمويل عمليات كشف فساد جديدة.
لكن مهلاً، فإغراء المال قد يفاقم البلاغات الكيدية، مما يستوجب وضع ضوابط صارمة لمنعها. ويتمثل ذلك في اشتراط مستندات ووثائق دامغة مع امكانية بدء التحقيق وفق دلائل معقولة، بما يحول دون استغلال البلاغات في تسوية الحسابات الشخصية أو الثأر بين المتنافسين والتصفية الوظيفية.
وبالتأكيد الهدف ليس خلق سوق للبلاغات، بل إنشاء نظام مكافآت للمعلومات ذات القيمة العالية القابلة للقياس والتحقق. ويقصد بها تحديداً المعلومات التي تكشف عن جرائم مالية جسيمة، مثل: الاختلاس، والاحتيال في العقود والمشتريات الحكومية، والتهرب الضريبي الكبير، وإساءة استخدام الأموال العامة.
المواطن والموظف الأردني يملكان الحس الوطني والرغبة في كشف الفساد، لكنهما يحتاجان لملاذ آمن وحافز مستحق. فمكافأة المُبلّغ بجزء محدود من الأموال التي أسهم في إعادتها إلى الخزينة أفضل بكثير من خسارة كامل المبلغ بقسوة الصمت وجُبن المعلومة.
المعادلة المثلى: نموذج تشريعي متكامل يجمع الحماية ويضيف لها المكافأة، وفق خلطة سرية لهوية المُبلّغين، وقنوات للتحقيق المستقل. والنتيجة المتوخاة ستكون تعزيز قدرة الدولة على استرداد المال العام والحد من نزيفه، وتفكيك لشبكات الفساد المستعصية.







