اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

السعايدة يكتب: مأزق إنتاج النخب في الأردن..

{title}
أخبار الأردن -

 

راكان السعايدة

ليس شأناً خافياً، ولا أمراً معقداً صعباً، إدراك مأزق الدولة في القدرة المحدودة على إنتاج نخب تقود الإدارة العامة، سياسياً ووظيفياً ومهنياً.

والمسألة لا تتعلق بقيادة الإدارة العامة فقط، وكأنها كل شيء، فهذا، إن كان طبيعياً في الأحوال العادية، فهو غير مقبول في أوقات صعبة ومعقدة تحتاج فيها الدولة لمن يعرف كيف يخاطب الرأي العام ويحشده حولها.

هذا مأزق يكشف، دون مواربة، أن الدول تخطئ عندما لا تختبر مسؤوليها في الظروف العادية، لأنهم في اللحظات الصعبة قد يصبحون نقطة ضعف في بنيتها؛ بقدرة متواضعة على الدفاع عن سياساتها، وضعف في شرح ما تواجهه من تعقيدات، وقصور في تفسير التوازنات التي تُجبر عليها والمسارات التي قد تسلكها اضطراراً.

ما السبب؟

إن معرفة السبب تستدعي سؤالاً مفصلياً وإجبارياً في آن: هل المؤسسات ذات الصلة تنتج، فعلياً، نخباً وقيادات ورجال حكم؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال، لا بد أولاً من الإجابة عن سؤال تأسيسي آخر: ما عمق ديمقراطيتنا، وما مدى التزامنا بشروطها؟

الإجابة عن هذا السؤال مسألة جوهرية، لا بوصفها مدخلاً أساسياً في تحليل وفهم واقع هذه المؤسسات فحسب، وإنما أيضاً في فهم أنماط التفكير التي أسست بيئة إنشائها، والمتغيرات التي طرأت عليها، والأهداف التي يعاد صياغتها وترتيبها لتحديد اتجاهاتها وأدوارها.

في الغالب، وهكذا تعلمنا التجارب، أن الدول الديمقراطية تنتج نخبها وقياداتها ورجال الحكم فيها عبر مؤسسات مدنية وسياسية رئيسية، في مقدمتها البرلمان والنقابات والأحزاب والإدارات المحلية.. هذا جوهر المسألة.

وبما أننا دولة تصنف ديمقراطية، فالأصل أن يكون الأمر عندنا كذلك، شأننا شأن تلك الدول في إنتاج النخب، لكن واقعنا يبدو مختلفاً، ليس بسبب خلل في الإطار المؤسسي والدستوري الناظم للعمل العام، وإنما بسبب بيئة سياسية متدخلة في تشكيل قواعد عمل هذه المؤسسات، وهندسة قوانينها للتأثير الفعال في مدخلاتها ومخرجاتها.

كيف تم ذلك، وما الذي أنتجه؟

ببساطة، تم من خلال أطر عديدة، من بينها:

أولاً: تعديلات القوانين، وبخاصة قوانين الانتخاب والأحزاب والإدارة المحلية، التي عُدّلت مراراً وفق حسابات سياسية لم تكن دائماً متطابقة مع هدف بناء حياة سياسية ضمن نسق تراكمي ومنتج للنخب.

فالذي نعرفه ونفهمه أن القوانين ليست مجرد ناظم ومسهّل لطريقة الوصول إلى البرلمان أو شروط تأسيس الأحزاب، وإنما لها أيضاً تأثيرها العميق في طبيعة المشاركة السياسية، وفي نوعية القوى التي تجد طريقها إلى المؤسسات، وفي قدرة المؤسسات ذاتها على إنتاج قيادات نوعية.

ثانياً: في النقابات، لم تكن المفاضلة بين الخيارات المتعددة دائماً على أساس من هو الأكفأ والأقدر على الانخراط وقيادة العمل العام، بل إن اعتبارات التماهي والقبول والاحتواء كانت، في بعض المراحل، تتقدم على اعتبارات الكفاءة والقدرة وقيم العمل العام.

هذا الواقع، بطبيعته، حوّل مؤسسات البرلمان والنقابات والأحزاب، بدرجات متفاوتة، من كونها حواضن لتوليد النخب ومنصات لتصعيد القيادات لمواقع الدولة، إلى مجرد مؤسسات بقدرات إنتاجية محدودة.

هنا بالذات، تبرز المشكلة الأهم والأعمق؛ فـ"الدولة"، عندما تتدخل في قواعد إنتاج النخب، فإنها لا تختار الأشخاص على مقاسها فحسب، بل تعيد، بالمجمل، تشكيل نوعية وطبيعة النخبة نفسها.

بمعنى أننا نتحول من إنتاج رجال دولة إلى إنتاج موظفين يتولون مواقع متقدمة، في تجاهل غير مفهوم للفرق الجوهري بين عقلية رجل الدولة الذي يضع مصالح الدولة فوق مصالحه الشخصية، وعقلية الموظف الذي يضع مصلحته فوق مصلحة الدولة.

الدولة هنا، قبل أن تسأل: أين نخبها، وأين قياداتها، ولماذا لا تظهر في الأزمات، وإن ظهرت تبدو ضعيفة وغير مقنعة، ملزمة بأن تسأل نفسها أولاً: ما الذي حل بالبيئة التي يفترض أن تنتج نخبها وقياداتها؟

في لحظة كهذه، ستدرك أن إضعاف وتعطيل دور مؤسسات إنتاج النخبة أضر بها، وأن إقصاء القادرين والمتمكنين لصالح نخبة هشة، لا تملك فكراً سياسياً ولا حضوراً مؤثراً، يضع الدولة، في الشدائد والظروف الحساسة، بلا روافع وازنة ومؤثرة تدافع عنها وتحمل مشروعها.

في سنوات ماضية، وتحديداً منذ عودة الحياة النيابية عام 1989، تجلت لدينا فرصة أن نبني مساراً تصاعدياً لمؤسسات ديمقراطية منتِجة للنخب والقيادات ورجال الدولة، يتدرج فيها السياسيون من القاعدة إلى مواقع القيادة بشكل طبيعي.

لكننا أضعنا هذه الفرصة، وما زلنا نضيّعها، بلا سبب موضوعي أو مبرر، فخضع المسار، في أحيان كثيرة، لحسابات سياسية خاطئة، وتدخلات قيدت التراكم الطبيعي للحياة السياسية، ما منع إنتاج نخب قادرة على أن تنتقل من مجرد المشاركة في العمل العام إلى تولي مسؤوليات في بنية الدولة.

والمعنى، كانت مؤسسات البرلمان والأحزاب والنقابات من بين أهم مراكز الإنتاج التي تمد الدولة بقيادات لمختلف شؤونها العامة، لكنها اليوم لم تعد، في الغالب، هكذا، فلم تعد الخزان الذي يصدر القيادات، وحتى لم تعد هيئات وسيطة بين الدولة والناس.

هل هناك فرصة لتغيير هذا الحال؟

نعم، هناك فرص، لكن شرط استعادتها أن تبدأ استعادة الديمقراطية بوصفها ممارسة ومؤسسات، لا مجرد قوانين وإجراءات.

ومن ثم، مراجعة القواعد الناظمة للحياة السياسية، بما يعيد الاعتبار للبرلمان والأحزاب والنقابات، بوصفها بيئات لإنتاج القيادات التي يمكن للدولة أن تتكئ عليها في اللحظات الحرجة.

باختصار.. المشكلة ليست أن الدولة لا تجد نخبها، وإنما أن البيئة التي يفترض أن تنتج هذه النخب لم تعد قادرة على القيام بدورها.

 


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية