اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المجالي يكتب: من يصنع القطيع لا يبحث عن الحقيقة .

{title}
أخبار الأردن -

 

حسان سلطان المجالي - مستشار قانوني

هناك مقولة مفادها : 
"حشد العقلاء أمر معقد للغاية ، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى راعٍ وكلب" ، هذه المقولة رغم قسوتها ، لكنها تختصر مشهداً بات يتكرر بصورة مقلقة ، خصوصاً في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي ، حيث لم يعد انتشار الفكرة مرتبطاً بصحتها ، ولا قوة الحجة بسلامة الدليل ، وإنما بعدد المتابعين وحجم الضجيج وقدرة صاحب المنصة على استثارة الغرائز ....

المشكلة ليست في أن يختلف الناس ، ولا في أن ينتقد أحد الحكومة أو المؤسسة أو المسؤول ، فالاختلاف والنقد هما حقان لا تقوم الحياة العامة السليمة بدونهما ، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى تضليل ، والمعارضة إلى تحريض ، والرأي إلى إشاعة ، والمنصة إلى مصنع لتزييف الوعي ....

المتابع لما يجري يجد أن هناك مواقع وأشخاص لا يعيشون على إنتاج الحقيقة ، بل على إنتاج الصدمة ، فتجدهم يبحثون عن أكثر العناوين إثارة ، وعن أكثر الروايات قابلية لإشعال الغضب ، ثم يلقون بها في الفضاء العام وكأنهم يحملون وثائق الحقيقة المطلقة ، حيث لا تحقيق ولا مصادر ولا سياق ولا مسؤولية ، هي فقط مجرد ادعاء بصوت مرتفع ، ثم تأتي "الجموع" لتكمل المهمة بالمشاركة والتعليق وإعادة النشر ....!!

وهنا تظهر الكارثة الحقيقية : 
فليس كل من يقرأ يفكر ، وليس كل من يشارك يفهم ، وليس كل من يملك آلاف المتابعين يملك ذرة من المصداقية .....

لقد أصبح عدد الإعجابات عند البعض شهادة مهنية ، وكثرة المشاركات دليلاً على صحة الخبر ، وارتفاع المشاهدات قرينة على أهمية الفكرة ، وكأن الحقيقة أصبحت تُقاس بعدّ الأصابع التي ضغطت زر الإعجاب ، لا بقوة الدليل الذي يمكن أن يصمد أمام السؤال والمناقشة والتدقيق ....

والأشد خطراً من صاحب المعلومة الكاذبة هو ذلك الذي يعرف أنها كاذبة ، ومع ذلك يشاركها لأنها تخدم موقفه أو خصومته أو مصلحته ، فهذا لا يمارس حرية التعبير ، بل يمارس تجارة بالوعي العام .....

أما أصحاب "العقول المستقلة" فليس من السهل حشدهم خلف أي شعار ، ذللك لأنهم يسألون : 
من قال .؟ وما الدليل .؟ ومتى حدث .؟ وما مصدره .؟ وما السياق .؟ وهل توجد رواية أخرى .؟ ،، ولهذا فإن العقلاء بطبيعتهم أكثر إزعاجاً لكل من يريد صناعة جمهور مطيع ، لأن الإنسان الذي يفكر لا يمكن قيادته بمجرد الصراخ .....

لقد صنعت مواقع التواصل مساحة واسعة للكلام ، لكنها لم تصنع بالضرورة مساحة مماثلة للعقل ، حيث أصبح الجميع قادراً على النشر ، لكن ليس الجميع قادراً على التحقق ، وأصبح من السهل جداً أن يتحول شخص مجهول إلى "مرجع" ، وأن تتحول صفحة مشبوهة إلى مصدر ، وأن تتحول إشاعة متداولة إلى "حقيقة يعرفها الجميع" ......

وهنا يجب أن نقولها بلا مجاملة : 
الجمهور الذي يتنازل عن عقله لمنصة أو شخص لا يستطيع بعد ذلك أن يلوم أحداً إذا جرى تضليله ....

الدولة والمجتمع لا يواجهان خطر الأخبار الكاذبة فقط ، بل يواجهان خطراً أكبر يتمثل في اعتياد الكذب حتى يفقد الناس حساسيتهم تجاه الحقيقة ، فعندما يصبح الكذب متداولاً بصورة يومية ، ويصبح التشهير مادة للترفيه ، ويصبح اغتيال السمعة أسهل من الدفاع عنها ، يصبح حينها الفضاء العام بيئة خصبة لكل صاحب أجندة ، ولكل من يريد العبث بعقول الناس ومشاعرهم ....

ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نخلط بين "حرية التعبير وحرية التضليل" ، فالحرية حق لكنها ليست رخصة للكذب ، والنقد حق لكنه ليس حصانة من المسؤولية ، وامتلاك منصة إعلامية أو حساب واسع الانتشار لا يمنح صاحبه سلطة أخلاقية أو قانونية فوق الحقيقة ....

نحن بحاجة إلى جمهور لا يُقاد بسهولة ، وإلى مواطن لا يصدق لأن الكلام أعجبه ولا يرفض لأن الكلام أغضبه ، نحتاج إلى إنسان يسأل قبل أن يشارك ، ويتحقق قبل أن يتهم ، ويفكر قبل أن يهتف ....

فالفرق بين المجتمع الواعي والقطيع ليس في عدد أفراده ، وإنما في قدرة أفراده على التفكير باستقلال ....

أما الذين يعيشون على صناعة القطيع فليسوا بحاجة إلى الحقيقة ، يكفيهم راعٍ يحدد الاتجاه ، وكلب يطارد من يحاول الخروج من السرب ....

سلامة الوطن لا تبدأ من إسكات الأصوات ، وإنما تبدأ من رفع مستوى الوعي بحيث يصبح الكذب عاجزاً عن قيادة الناس مهما علا صوته وكثر أتباعه ....

والله المستعان .

 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية