اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

القس سامر عازر يكتب: السلام الحقيقي والدائم نعمة من الله

{title}
أخبار الأردن -


القس سامر عازر


غرَّدَ صباح أمس سيادة المطران رياح أبو العسل من ناصرة البشارة، ناصرة الجليل، تلك الأرض التي حملت بشارة السماء للعذراء المباركة مريم بولادة الطفل يسوع، بكلمات عميقة عن السلام الحقيقي والدائم باعتباره نعمة من عند الله. واستطرد قائلاً أنَّ هذا السلام يجب أن يكون الأول بين الأولويات الكثيرة في الحياة، متنهداً أمام واقعنا المؤلم، وكيف يُساء استخدام مفهوم السلام، بل وكيف يفرَّغ أحياناً من مضمونه الإنساني والأخلاقي. ويرى سيادته أن السلام الحقيقي يضمن للإنسان حياة تستحق أن تُعاش، بل يقوده إلى ذلك الفرح الذي يفوق كل فهم بشري.

صدقت يا سيادة المطران المبجّل في طرحكم هذا، وأنتم الذين حملتم، وما زلتم تحملون، همَّ السلام ورسالةَ السعي من أجل السلام العادل والشامل، والسلام الذي لا يكون مجرد غياب للحرب، بل حضوراً للعدالة والكرامة والحرية والأمان والرجاء في حياة الإنسان.

فالسلام ليس كلمة جميلة نرددها، ولا شعاراً نرفعه في المناسبات، ولا هدنة مؤقتة بين قوى متصارعة، ولا استسلاماً للظلم أو قبولاً بالأمر الواقع. السلام الحقيقي هو ثمرة الحق والعدل، وهو ثمرة حوار صادق ومنفتح وعقلاني، يراعي الحقوق والمصالح المشتركة، ويفتح الطريق أمام التعاون والتقدم والازدهار، بحيث لا يشعر طرف أنه انتصر على حساب طرف آخر، بل يشعر الجميع أنهم انتصروا للإنسان وللحياة. وما أحوج شرقنا، وما أحوج عالمنا، وما أحوج بلادنا المقدسة إلى هذا السلام!

فما زال السلام غائباً عن الأرض التي تقدست برسالات الأنبياء والرسل، وعن فلسطين التاريخية التي شهدت محطات فارقة في تاريخ الإيمان والإنسانية، وما زال عالمنا الجريح يعيش صراعات النفوذ والمصالح، وتتسابق فيه القوى على امتلاك مقدرات الشعوب والأمم، وكأنَّ الإنسان أصبح في كثير من الأحيان مجرد رقم في حسابات السياسة والقوة والمصالح.

ومن هنا، فإن رسالتنا اليوم ليست أن نكتفي بالتفرّج على هذا المشهد المؤلم، بل أن نسعى إلى السلام بكل الطرق والوسائل المشروعة، وأن نرفض منطق فرض السلام بالقوة، أو فرض الأمر الواقع، أو إخضاع الشعوب بمنطق القوة والبطش ولكن السلام الذي يستحق أن يُسمّى سلاماً هو ذلك الذي يقوم على الحق والعدل والكرامة الإنسانية والحوار والمصالحة.

ولعلنا أحوج ما نحتاج إليه اليوم هو أن نعيد اكتشاف رغبة السماء بأن يحل السلام على الأرض، كما صدحت أنشودة الملائكة الخالدة: "وعلى الأرض السلام" . لكن السؤال الأعمق هو: كيف يمكن أن يحل السلام على الأرض إذا لم يبدأ أولاً من قلب الإنسان؟

فالإنسان الذي لم يتصالح مع الله، ولم يتصالح مع نفسه، يصعب عليه أن يصنع سلاماً حقيقياً مع الآخرين. أما عندما يجدُ الإنسان السلام في أعماقه، ويتحرر من الحقد والكراهية والخوف والأنانية والرغبة في الانتقام، يصبح قادراً على أن يكون جسراً للسلام، لا جداراً يفصل بين الناس. فالسلام يبدأ من الداخل، ثم يمتد إلى البيت، وإلى المجتمع، وإلى الوطن، ثم إلى الشعوب والأمم. يبدأ علاقةً صحيحة بين الإنسان وربه، ثم علاقةً متصالحة مع الذات، ثم علاقةً قائمة على المحبة والاحترام مع الآخر، بل ومع الطبيعة وكل الخليقة.

وهذا هو السلام الإلهي الذي لا تصنعه الظروف الخارجية، ولا تهبه السياسة، ولا تستطيع الحروب أن تنتزعه من القلب. إنه نعمة ربانية تَمنح الإنسان طمأنينة عميقة، تجعله قادراً على مواجهة تقلبات الحياة دون أن يفقد رجاءه.

ولا يعني السلام الداخلي أن الحياة خالية من الألم أو المشكلات، بل يعني أن الإنسان يمتلك في داخله ما يساعده على مواجهة الألم دون أن ينكسر، وعلى عبور الأزمات دون أن يفقد إيمانه ورجاءه. ولهذا يقول القديس بولس: "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله" .

وما قيمة الحياة إذا غاب عنها السلام؟ وما معنى الازدهار إذا كان الإنسان يعيش خائفاً؟ وما قيمة التقدم إذا لم يصاحبه شعور بالكرامة والعدالة والأمان؟ وما جدوى امتلاك القوة إذا عجزنا عن أن نعيش معاً؟ لقد قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" .

نعم، على هذه الأرض ما يستحق الحياة، ولكن ما يستحق الحياة أكثر هو أن نحافظ على الإنسان، وأن نصون كرامته، وأن نمنحه حقه في أن يعيش آمناً حراً كريماً، وأن نهيئ للأجيال القادمة أرضاً لا يرثون فيها الكراهية والحروب، بل يرثون فيها المحبة والسلام والرجاء. فالسلام ليس ترفاً سياسياً ولا حلماً مثالياً بعيد المنال؛ إنه ضرورة حياتية، وحق إنساني، ومسؤولية أخلاقية، وواجب ديني ووطني وعالمي.

وليست الحاجة إلى سلام يجمّد الصراع مؤقتاً، بل إلى سلام يعالج جذور الصراع، ويعيد للإنسان كرامته، وللحق مكانته، وللعدالة معناها، وللقدس مكانتها الروحية والتاريخية، ويضمن لكل إنسان أن يعيش في أمن وحرية وكرامة، بعيداً عن لغة الكراهية والإقصاء والعنف. ولقد علّمنا السيد المسيح في الموعظة على الجبل: "طوبى لصانعي السلام، لأنهم أبناء الله يُدعون" . ولم يقل: طوبى لمن يتحدثون عن السلام، بل لصانعي السلام. فصناعة السلام فعل ومسؤولية وموقف، وليست مجرد أمنية.

ومن يولد من رحم محبة الله لا يستطيع إلا أن يكون أداة سلام، وفعل سلام، ومسعى سلام. فالإنسان المؤمن لا يمكن أن يحمل المحبة في قلبه والكراهية في يده، ولا أن يتحدث عن المُصالحة وهو يمارس الإقصاء، ولا أن يرفع شعار العدالة وهو يقبل بالظلم.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من القوة بقدر ما يحتاج إلى مزيد من الحكمة، ولا يحتاج إلى مزيد من الجدران بقدر ما يحتاج إلى جسور، ولا يحتاج إلى مزيد من الكراهية بقدر ما يحتاج إلى قلوب تعرف كيف تسامح وتتصالح وتبني.

بوركت تغريدتكم يا سيادة المطران رياح أبو العسل، وبورك كل ساعٍ إلى تحقيق السلام القائم على الحق، والمرتكز على العدل، والمتجذر في المحبة، والمفتوح على المصالحة. ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لله وللإنسان في زمننا هذا أن نكون صانعي سلام؛ نزرع المحبة حيث يُزرع الحقد، ونبني حيث تُهدم الجسور، ونفتح أبواب الحوار حيث تُغلق أبواب التواصل، ونحمل الرجاء حيث يسيطر اليأس.

فالسلام الحقيقي والدائم ليس صناعة الإنسان وحده، بل هو أولاً نعمة من الله، ومسؤوليتنا أن نقبل هذه النعمة في قلوبنا أولا، ثم نحولها إلى حياة وسلوك ورسالة، حتى تصبح الأرض أكثر شبهاً بما أرادتها السماء: أرضاً يسكنها الإنسان بكرامة، وتعيش فيها الشعوب بأمان، ويتحقق فيها قول الملائكة الخالد:
"المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة".

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية