السعايدة يكتب: "اتفاق مكة".. أميركا بين القبول والتكيف
راكان السعايدة
تسعة أيام مرت بين الإعلان عن (اتفاق مكة الدفاعي)، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترحيبه بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه: "خطوة أولى كبيرة وجريئة ومهمة".
هذه الأيام التسعة كان يمكن أن تكون مفهومة من دولة بعيدة، أو طرفية، تراقب أحداث الإقليم عن بعد، وليست أميركا المتمركزة، عسكرياً واستخبارياً وسياسياً واقتصادياً، في قلبه وتتحكم في أغلب شؤونه.
ولا شك أن الشرق الأوسط يعني لأميركا الكثير؛ فهو فضاء لنفوذها، وسوق يستهلك سلاحها وسلعها، وتأخذ منه مالاً وتتحكم بطاقته، وهو ما يجعل موقفها من الاتفاق ذا أهمية ومغزى كبيرين.
إذ من الصعب تصور أن اتفاقاً بهذا الحجم يتم بعيداً عن علمها ومعرفتها، إلا إذا تحول الشرق الأوسط وأراد أن يمسك زمام الأمور بنفسه ويجعل إرادته فوق إرادة أميركا أو، على الأقل، بسويتها.
بظني، هذا أمر صعب، ويستدعي أهمية شديدة لتفكيك موقف أميركا من الاتفاق، ومحاولة فهمه والوقوف على أبعاده جيداً، لأن الأمور في الشرق الأوسط، كما اعتدنا، لا تمضي هكذا من تلقاء نفسها وبإرادة أطرافها دائماً.
بهذا المعنى، يصبح لازماً أن يؤدي تفكيك موقف أميركا إلى إجابة سؤالين، ولن أقول فرضيتين: هل كانت واشنطن شريكاً في إنتاجه وقبلت به، أم أنها وجدت نفسها أمام واقع جديد يتعين عليها التكيف معه؟
أي من حيث، أولاً، القبول؛ هل الاتفاق صُنع على عينها وتم برضاها وقبولها وإشرافها، وتراه يلبي مصلحة لها؟ وثانياً: التكيف؛ هل اضطرت أميركا للتكيف معه والبقاء بقربه للتأثير فيه، بعدما أصبح واقعاً يصعب تغيير مساره؟
سؤال القبول..
في هذا الجانب، يمكن أن يُفهم موقف ترمب ويُقرأ في سياق رغبة طالما عبّر عنها، وهي أن يتحمل حلفاء أميركا جزءاً كبيراً من مسؤولية أمنهم وتكلفته.
هذا كان منطقاً تعامل به ترمب مع حلف "الناتو" في دورتيه الرئاسيتين الأولى والحالية، وبقي يمارس ضغطاً على شركاء الحلف لزيادة نسبة مخصصاتهم الدفاعية لنحو 5%، وهو ما تحقق له، ولو نسبياً، في اجتماع "الناتو" الأخير في تركيا.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة الاتفاق الدفاعي الثلاثي، (السعودي، التركي، الباكستاني)، بوصفه نموذجاً لما يريده ترمب من حلفائه: أن ينفقوا المزيد، وأن يتحملوا المزيد، وأن يكونوا قادرين على حماية أنفسهم أكثر.
على هذا الأساس يمكن أن نفهم الكامن في ترحيب ترمب بالاتفاق، ليس بوصفه فقط يخفف العبء والمسؤولية الأميركية ولا يلغيها كلياً، بل إدراكاً منه أن الحرب مع إيران ألحقت أضراراً بالأصول الأميركية في المنطقة، وشكلت استنزافاً عسكرياً وسياسياً، وصعوبات اقتصادية لأميركا وحلفائها.
ويمكن إحالة موقف ترمب إلى ما نشرته "واشنطن بوست" أخيراً من أن البنتاغون يدرس تخفيف قواته وأصوله العسكرية في المنطقة، كما سبق ذلك تسريبات عن نية لنقل أكثرية هذه القوات والأصول إلى "إسرائيل" ودول أخرى أبعد مسافة عن إيران.
إن الاستنتاج الأولي يوحي بأن أميركا ليست بوارد التخلي عن وجودها العسكري في المنطقة، وإنما تريد إعادة تنظيمه وترشيده، وأن تدير دول المنطقة شؤون أمنها بذاتها، ولكن بالتنسيق معها.
أما سؤال التكيف..
على ما في إجابة سؤال القبول من وجاهة ومنطق، فإن زاوية النظر الأخرى أيضاً تحمل قدراً من الوجاهة، بمعنى أن دول المنطقة خلصت من المواجهة الأميركية مع إيران إلى نتيجة مفادها أن التعويل الكامل على الحماية الأميركية لها لم يعد فرضية مضمونة، بعد أن سقطت بالتجربة.
إذ كانت المواجهة مع إيران كاشفة لحدود القوة الأميركية، على نحو وضع أمن المنطقة، وبخاصة الخليج، في حالة انكشاف كامل أمام صواريخ ومسيّرات إيران.
هذه مسألة، بفهم وقناعة دول المنطقة، ليست هينة بل شديدة الحساسية، ولا يمكن تمريرها وتجاهل خطورتها، وهذا ما ضيّق خياراتها تحت ضغط الوقت والظرف ودفعها للعمل على تصميم وبناء منظومة أمن مشترك، طابعها دفاعي ردعي، من دون التخلي أو التجاوز عن تحالفها مع أميركا، بل مكمل له.
أميركا لا بد أنها تدرك ذلك، وتعي جيداً مخاوف دول المنطقة وشكوكها، ومقدار الاهتزاز الذي أصاب الثقة بالتزامها بحمايتها.
لكنها، أي أميركا، وبالنظر إلى مصالحها وحليفتها "إسرائيل"، ومع إدراكها حجم التغيرات في المنطقة، والمزاج القلق الذي يسيطر على دولها وأنظمتها، لن تغادر المنطقة، منعاً لفراغ سيُملأ إيرانياً وتركياً وروسياً وصينياً.
لهذا، ربما جاء تعليق ترمب ترجمة واقعية لمعنى ومفهوم التكيف الذي يبقي أميركا في دائرة التأثير، والقول إن هذا التحالف يتكامل ولا يتصادم معها، يدعم ذلك العلاقات القوية التي تربط أميركا بتركيا والسعودية، وعلى نحو أقل مع باكستان.
والتكيف، هنا، لا يعني بالضرورة القبول بكل ما سينتجه هذا التحالف، ولا يعني أن واشنطن ستقبل بقيامه بعيداً عن نفوذها، وهنا تحديداً تكمن أهمية الموقف الأميركي الذي لن تقبل أن يكون التحالف بالضد من مصالحها.
هنا نسأل، هل استقرت الأمور على هذا النسق وحددت اتجاهها؟
الإجابة المنطقية تقول: لا، ليس بعد. فالإقليم ما زال يمر بحالة سيولة مفرطة، والمواجهات فيه مفتوحة على احتمالات كثيرة، والتحالفات ليست مستقرة، ففي ظروف الفوضى التبديل والتغيير يصبح سمة الحالة.
الحرب مع إيران لم تنته، والتصعيد السعودي مع الحوثيين قائم، والتصادم بين "إسرائيل" وحزب الله مستمر، وكذلك في قطاع غزة، وإن بوتيرة تصعيد منخفضة، والضفة الغربية على صفيح ساخن، وسوريا تُستهدف من "إسرائيل" لقلقها من مستقبلها وعلاقتها بتركيا، والأخيرة قد تدخل في مواجهة مع "إسرائيل".
هذا واقع متغير ومقلق بطبيعته ويستلزم نمط تحالفات، وتفاهمات ما دون التحالفات، بين دول المنطقة لحماية نفسها، بعدما وجدت نفسها في حالة انكشاف عسكري وأمني، ومحدودية في الفعل السياسي.
من هنا، يمكن فهم (اتفاق مكة) لا بوصفه مجرد اتفاق دفاعي بين ثلاث دول، بقدر ما هو مؤشر إلى محاولة إقليمية لإعادة تعريف مفهوم الأمن في المنطقة بشروط ومقتضيات جديدة.
وعليه، فالسؤال الأهم، والمفتوح، ليس ما إذا كانت أميركا ستبقى حاضرة، فهذا أمر مرجح، وإنما: هل ستبقى هي التي ترسم قواعد الأمن وحدها، أم أن دول المنطقة بدأت في بناء القدرة على أن تكون شريكاً في رسم هذه القواعد؟







