اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: سدنة المعبد – قراءة في نقد السلطة الدينية

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


كان المعبد في بعض المجتمعات القديمة، كبلاد الرافدين -أور وأوروك ونفر- فضاء تتقاطع فيه ثلاث سلطات: الدين والمعرفة والثروة، ومن يملك مفاتيح المعبد وطقوسه ومعرفته الدينية، يستطيع أن يصبح وسيطاً بين الناس والمقدس، وهذا المعنى الذي أصبح يحمله المصطلح في الخطاب الديني الحديث، فمصطلح «سدنة المعبد» استعارة عن الأشخاص أو الجماعات التي تتعامل مع أفكارها الدينية أو الفكرية، كأنها المعبد الذي لا يجوز تجاوزه، أو الاقتراب منه أو نقده.
 

ليست المشكلة في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية تتمثل في غياب الدين، بقدر ما أصبحت أحياناً في طريقة حضوره في الوعي الإنساني، حين يتحول في بعض صوره المعاصرة إلى منظومة تجعل الإنسان أسيراً للجماعة، والمذهب، والتصور الموروث، هنا يتصرف «سادن المعبد»، وكأنه حارس للدين والحقيقة، وينتقل من كونه خادماً للدين إلى محتكر للمعنى.
وهنا تظهر إحدى أخطر الإشكالات وأعمقها في الوعي الديني، وهي الخلط بين الدين والتدين، وعدم وضوح الرؤية في فهم العلاقة بين الدين والإنسان، بين الدين كوحي وقيم ومقاصد، والتدين كفهم بشري للوحي وتنزلاته على الواقع، فحين تسقط المسافة بينهما يصبح الاختلاف مع الفرد أو الجماعة أو المذهب، مخالفة للوحي نفسه، ونقد الموقف السياسي تشكيكاً في الإيمان ذاته، مع أن بين النص وفهمه تاريخاً طويلاً من الاجتهاد، وتعدد المدارس والمذاهب والمناهج، بما يؤكد أن الفهم البشري للنص ظل مجالاً مفتوحاً للاجتهاد والمراجعة.
وتبلغ الظاهرة ذروتها حين تعتقد جماعة أو مذهب، أن بقاء الدين متوقف على بقائها، وكأن بقاء الدين متوقف على تنظيم تاريخي أو مدرسة بعينها، مع أن الأصل أن المذهب خادم للدين لا العكس، وأن الدين هو الذي يحفظ الجماعة لا العكس، فعندما تنقلب العلاقة تتحول الجماعة من إطار للاجتهاد إلى سلطة للوصاية، ويصبح الانتماء إليها معياراً للحق والباطل، ويتحول التدين من رسالة لإصلاح الإنسان إلى سلطة على الإنسان.
فـ»سادن المعبد» يستخدم الدين لخدمة موقعه ورؤيته وجماعته، ولذا تجده يقدم الدين بوصفه قائمة من القيود والمحظورات، ويأخذ هو دور المراقب والحاكم على تصرفات الناس، لا مشاركا في بناء مجتمع عادل كريم، وأسرة صالحة، فتفرغ الشريعة من فلسفتها ومقاصدها، لأن التحريم ليس غاية في ذاته، والأحكام ليست مجرد أسوار تحيط بالإنسان، وإنما هي جزء من منظومة أوسع لحفظ الإنسان وكرامته وعقله ونفسه وأسرته ومجتمعه، ولذا فإن الفقه الذي  يرى صورة الحكم، ولا يرى حكمته ومصلحته ومآله، قد يحافظ على الشكل ويفقد الروح.
وفي صورة أخرى، يحول «سدنة المعبد» الماضي إلى سلطة مطلقة على الحاضر وكل جديد، فتستنسخ الحقبة الأولى من صدر الإسلام بحالتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كما لو كانت جزءاً من الوحي، دون تمييز بين المقصد والوسيلة، والثابت والمتغير، فالمطلوب ليس إعادة انتاج الماضي بأحداثه وظروفه، وإنما استعادة القيم والنهج الذي يجعله جديرا بالاستحضار: كالعدالة، والرحمة، والتكافل والتراحم، وصيانة الكرامة، ومن هنا تأتي الحاجة إلى فهم مقاصدي للأحكام، لنصل إلى تدين يجمع بين الوحي والعقل، والروح والمادة، والهوية والتعدد، إن الأزمة ليست في وجود مرجعية دينية، وإنما في تحولها إلى سلطة دينية، أو جهات حصرية تحتكر فهم الحقيقة، ولذا فـ»سادن المعبد» ليس من يخدم الدين، أو يدعو الى الحق، بل من: 
- ينصب نفسه حارساً حصرياً للدين.
- يمنح نفسه سلطة من يملك الحقيقة.
- يخلط بين رأيه، وبين الدين نفسه.
- يمنح تفسيره البشري صفة القداسة.
- يرفض التعدد داخل المجال الديني.
- يعتبر الاختلاف معه خروجاً عن الدين.
- يحتكر حق تحديد من هو داخل الأمة، ومن هو خارجها.
-  ويستخدم النص الديني ليثبت سلطة اجتماعية أو سياسية أو رمزية.
ولذا فالتجديد المنشود لا يقصد منه هدم التراث ولا القطيعة معه، بل التعامل معه باعتباره جسراً للتواصل الحضاري، ومورداً للمعرفة، لا سجناً للمستقبل، ربما آن الأوان أن يغادر «سدنة المعبد» جدرانه قليلاً، ليدركوا أن الوحي أوسع من جدران المعبد، وأن مفاتيح الفهم لا تحتكر في فهم واحد، أو جماعة واحدة، أو زمن محدد.
*باحث في الفكر الإسلامي

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية