أبو زينة يكتب: دعوة إلى ترك الشرق الأوسط وشأنه..!
علاء الدين أبو زينة
نشرت مجلة «فورين أفيرز» في 6 آب (أغسطس) مقالًا ملفتًا بعنوان: «على أميركا أن تتخلى عن الشرق الأوسط: يجب أن تحفز الحرب الفاشلة في إيران انسحابًا طال انتظاره» America Must Let Go of the Middle East: The Failed Iran War Should Spur a Long-Overdue Withdrawal.
المقال لمايكل فوكس Michael Fuchs، الذي ينشط الآن في مؤسسات المجتمع المفتوح. وكان فوكس قد شغل العديد من المناصب الرفيعة في المؤسسة الأميركية، منها منصب المساعد الخاص للرئيس جو بايدن، ونائب رئيس موظفي نائبة الرئيس كامالا هاريس بين العامين 2021 و2022. كما عمل خلال إدارة باراك أوباما نائبًا مساعدًا لوزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ ومساعدًا خاصًا لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون. وبذلك، تصدر الدعوة إلى إعادة النظر في الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط عن شخص «داخلي»، من داخل نفس المؤسسة الأميركية التي دافعت طويلًا عن الدور العالمي لواشنطن.
في مقاله المذكور، يجري فوكس مراجعة جذرية لإستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، منطلقًا من فكرة أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت فشل النموذج الأمني الأميركي العامل منذ عقود. وهو لا يرى المشكلة متعلقة بعدم استخدام واشنطن ما يكفي من القوة لحماية مصالحها، وإنما بحقيقة أن الوجود العسكري الأميركي نفسه أصبح جزءًا من المشكلة التي يفترض أن يعالجها. وتشكل الحرب الإيرانية، وفق هذا المنظور، لحظة مناسبة للخروج من دائرة شرسة مضنية: ثمة انتشار عسكري أميركي يهدف إلى الردع؛ ثم تهديدات للأميركيين تنتج عن هذا الانتشار؛ ثم استخدام هذه التهديدات لتبرير مزيد من الانتشار.
يرى فوكس أن حرب أميركا والكيان على إيران كانت كارثة إستراتيجية حقيقية. فقد أوقعت أعدادًا كبيرة من الضحايا المدنيين وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية الإيرانية، بينما تعرضت القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة لهجمات إيرانية أوقعت قتلى وجرحى. وأدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب أسواق الطاقة ورفع تكاليف الحرب إلى مستوى عالمي. ولم تستطع القوة الأميركية الهائلة منع الحرب، ولم تستطع أيضًا حماية قواتها ومنشآتها من الرد الإيراني. ولذلك يقترح فوكس تغيير وجهة السؤال التقليدي: بدل أن تبحث واشنطن عن كيفية إعادة وجودها العسكري في الشرق الأوسط بعد الحرب، عليها أن تسأل لماذا تحتاج إلى وجود عسكري دائم في المنطقة من الأساس.
يضع فوكس الحرب الإيرانية الحالية في السياق باعتبارها حلقة في تاريخ طويل بدأ، في تصوره، مع حرب الخليج 1990-1991، حين تحول الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة من وجود مرتبط بأزمات محددة إلى بنية أمنية دائمة. ومنذ ذلك الحين ترسخ منطق يقوم على فكرة أن القواعد والأساطيل والقوات الأميركية ضرورية لردع الخصوم، وحماية الحلفاء، وضمان أمن الممرات الحيوية في الإقليم. لكن هذا المنطق أنتج مفارقة لا تني تتعمق: كلما تعزز الحضور الأميركي في الإقليم، ازدادت دوافع خصومه لاستهدافه. وكلما تعرضت القوات الأميركية للهجوم، أصبح ذلك مبررًا للمزيد من تعزيز وجودها.
يستدعي فوكس تجربة العراق كمثال واضح. في ذلك البلد، أسهم الغزو الأميركي في العام 2003 في تفكيك الدولة العراقية، وفتح المجال أمام نشوب الصراعات الطائفية وصعود الجماعات المسلحة، لتتحول النتائج التي ساهم الاحتلال في إنتاجها إلى أسباب لمزيد من التدخل الأميركي. وبعد الانسحاب الجزئي، عادت القوات الأميركية في العام 2014 لمحاربة «داعش». وهكذا أصبحت الولايات المتحدة، وفق تحليل فوكس، عالقة في دورة تتداخل فيها أسباب التدخل ونتائجه: ثمة تدخل عسكري يفضي إلى اضطراب؛ والاضطراب يستدعي تدخلًا جديدًا... وهكذا.
وينسحب هذا المنطق على شبكة التحالفات الأميركية في المنطقة. بحسب فوكس، يعني وجود واشنطن العسكري والسياسي ربط مصالحها وأمنها بأفعال شركائها -سواء تعلق الأمر بالانحيازات في الأزمة اليمنية أو بالدعم الأميركي للكيان في غزة. وفي الحالة الفلسطينية تحديدًا، يرى فوكس أن واشنطن تواجه مأزقًا أخلاقيًا وإستراتيجيًا حين تقدم نفسها قوة للاستقرار، بينما ترتبط عسكريًا وسياسيًا بحليف يواجه اتهامات دولية خطيرة بشأن سلوكه في غزة. ولا تقتصر كلفة الوجود الأميركي في هذه الحالة على الأموال والقوات؛ إنه يحمل الولايات المتحدة مسؤولية سياسية عن منظومة من السياسات لا تتحكم دائمًا في تفاصيلها، لكنها توفر لها الحماية والدعم.
يضع فوكس أيضًا مسألة «الردع» فوكس في قلب النقاش. ويرى أن الإستراتيجية الأميركية تفترض أن انتشار القوات والقواعد يجعل الخصوم أكثر حذرًا ويمنع الحرب. لكن الحرب مع إيران أظهرت، في نظره، حدود هذه الفرضية. لم تستطع القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة أن تمنع الصراع، وتحولت في الوقت نفسه إلى أهداف ثابتة يمكن ضربها بالصواريخ والطائرات المسيّرة والوسائل غير المتماثلة. وبذلك أصبح الانتشار الذي يفترض أن يمنح واشنطن عمقًا إستراتيجيًا مصدرًا دائمًا لإنتاج نقاط الضعف.
لمختلف الأسباب التي يعرضها، يدعو فوكس في المحصلة إلى انسحاب عسكري أميركي كامل من الشرق الأوسط، وليس مجرد تقليص للقوات أو إعادة توزيعها. ربما يبقي الانسحاب الجزئي واشنطن داخل الحلقة نفسها، ويترك لها قواعد والتزامات أمنية كافية لإعادتها إلى التدخل عند أول أزمة. لكن فوكس يقيم تمييزًا بين الانسحاب العسكري وبين التخلي عن المنطقة. وفي رأيه، تستطيع الولايات المتحدة الاحتفاظ بعلاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية والتعاون مع دول المنطقة، واستخدام أدوات التفاوض والتحالفات السياسية- وإنما مع التخلي عن فكرة أن حماية المصالح الأميركية تتطلب وجودًا عسكريًا دائمًا.
يرتبط ذلك حُكمًا بإعادة تعريف المصلحة الأميركية العالمية. وبحسب فوكس، يمكن توجيه الموارد السياسية والعسكرية المستنزفة في الشرق الأوسط إلى مناطق يعتبرها أكثر أهمية للمصالح الأميركية- خصوصًا أوروبا وآسيا. وبذلك لا يكون الانسحاب انعزالًا أميركيًا أو تراجعًا عن العالم بقدر ما هو إعادة ترتيب للأولويات. لن تستطيع ثمة دولة تريد التعامل مع صعود الصين والحفاظ على توازن القوى في أوروبا الاستمرار في إدارة شبكة عسكرية ضخمة في الشرق الأوسط من دون أن تدفع ثمنًا إستراتيجيًا متصاعدًا.
مع ذلك، يغفل فوكس مسألة أن انسحاب الولايات المتحدة من الإقليم ربما لن يؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار، ولا يقدم اقتراحات للبدائل. فالمنطقة تضم تنافسًا بين إيران والكيان، وصراعات بينية عربية وإقليمية، وانقسامات داخلية، وطموحات لقوى أخرى مثل روسيا وتركيا. وإذا غادرت واشنطن ربما ينشأ فراغ قوة ستسعى أطراف أخرى إلى ملئه. ولم يتحدث فوكس عن ماهية النظام الإقليمي الذي سينشأ بعد انسحابها، وترك لآليات الإقليم التعامل مع هذه المسألة.
ربما لم تكن المشكلة تتعلق أساسًا بمجرد الوجود الأميركي، وتتعلق أكثر بالنظام الأمني الذي جعل الوجود العسكري الخارجي شرطًا لإدارة الشرق الأوسط. عندما تصبح حماية الملاحة، وأمن الكيان، وردع إيران، وحماية الحلفاء، ومواجهة الجماعات المسلحة أسبابًا دائمة للانتشار العسكري، لا بد أن تكون المنطقة فضاء محكومًا بمنطق القوة. وستستدعي كل أزمة انتشار قوات، وسيخلق كل انتشار أهدافًا جديدة، وكل هجوم سيولد ردًا، وكل رد يفتح الطريق أمام تصعيد آخر.
لعل المساهمة الأهم في مقال فوكس هو اقتراحه على واشنطن أن تتحول من الاهتمام بكيف تحافظ على وجودها العسكري في المنطقة لمنع الفوضى إلى بحث احتمال أن يكون هذا الوجود نفسه قد أصبح جزءًا من أسباب استمرار الفوضى. وهو سؤال يعنينا نحن أيضًا في تقييم تعاملنا مع هذا الوجود. ربما لم تكن مشكلة المنطقة أن أميركا لم تفعل ما يكفي، وإنما أنها فعلت أكثر من اللازم، ولوقت طويل، وبأدوات عسكرية عجزت عن إنتاج الاستقرار الموعود، بل وفاقمت الفوضى.
وكما يرى فوكس، على أميركا الخروج من دائرة الاستنزاف، والانتقال من الهيمنة الأمنية إلى التوازن والدبلوماسية، ومن إدارة المنطقة بالقواعد والحروب إلى قبول تعدد مراكز القوة وتمكين دولها من بناء ترتيباتها الأمنية، مع حماية المصالح الأميركية بالوسائل الدبلوماسية والاقتصادية والردع المحدود. وإذا كان الشرق الأوسط مهمًا لواشنطن، فإن أهميته لا تمنحها حق الوصاية العسكرية عليه، ولا تجعل هيمنتها شرطًا لاستقراره.







