اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: "سد الذرائع": من الفقه إلى التسييس..! (4/4)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


السياق العربي
في السنوات الأخيرة، تحول مفهوم «سدّ الذرائع» في السياق العربي إلى إطار سياسي كامل للعلاقة مع القوى الغربية والكيان الصهيوني. وتلخصت فكرته في دعوة الدول والمجتمعات العربية إلى تجنب كل ما قد يمكن اعتباره استفزازًا للولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني، بحجة أن أي مواجهة ستؤدي إلى نتائج أشد سوءًا من واقع تراه الشعوب العربية سيئًا بما يكفي. وبذلك أصبح «الاستقرار» مرادفًا لتجنب الاحتكاك. وأصبح تجنب أي مواجهة غاية سياسية بحد ذاتها.
 

من المعقول، من حيث المبدأ، اعتبار تجنب الحروب هدفًا مشروعًا، وتقدير موازين القوى ضرورة في السياسة. لكن الإشكالية تنشأ من الفرضية الأساسية، عندما تُقام الأطروحة على أساس أن مصدر عدم الاستقرار هو رفض الهيمنة وليس الهيمنة نفسها؛ وأن الطريق إلى الأمن يمر بتجنب كل ما يمكن أن تعتبره القوة المهيمنة ذريعة للتدخل أو الضغط أو العقاب.
يفترض هذا الموقف أن مشاريع «إعادة تشكيل الشرق الأوسط» المفروضة من المركز الغربي وقاعدته الاستعمارية المتقدمة في المنطقة هي رد فعل على نوع من المقاومة العربية. ويُغفل هذا التصور حقيقة أن مشاريع الهيمنة سبقت أي مقاومات قائمة واستمرت في معزل عنها، بشهادة التاريخ.
منذ اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور، مرورًا بالتدخلات العسكرية الغربية المتكررة في المنطقة، ثم الحرب الباردة، وصولًا إلى غزو العراق ومشاريع «الشرق الأوسط الجديد» واتفاقيات التطبيع، ثمة اتجاه عام ظل حاكِمًا. وكان العنوان دائمًا هو إعادة تنظيم الإقليم بما يحقق المصالح الإستراتيجية لقوى خارجية عدوانية بطبيعتها. وكانت الغايات المعلنة هي ضمان تفوق الكيان الصهيوني، وتأمين طرق التجارة والطاقة، ومنع ظهور أي قوة إقليمية مستقلة يمكن أن تحدث فرقًا في موازين القوة.
ولنتأمل ما حدث ويحدث في المنطقة. ثمة العراق الذي تعرض لعقوبات مدمرة ثم لغزو كامل انتهى بتفكيك مؤسسات الدولة وتأزيم المنطقة. وليبيا التي انتهت إلى انهيار الدولة بعد تدخل عسكري غربي. وسورية التي تحولت إلى ساحة صراع دولي وإقليمي طويل وجُردت من أسباب قوتها. وهناك اليمن الذي دخل حربًا مدمرة ما تزال تدمر إمكاناته. ولدينا لبنان الذي يتعرض لضغوط لا تُحتمل ويتحول إلى دولة فاشلة. وثمة فلسطين التي يترسخ فيها الاستعمار الصهيوني ويتوسع بالعنف المفرط. وحتى الدول المستقرة –ظاهريًا- تظل مهددة كل الوقت بفقدان هدوئها بسبب ظروف تصنعها القوى الخارجية والكيان العدواني.
في كل هذا، من الصعب تفسير ما يحدث بأنه نتيجة نتاج طبيعي لـ»ذرائع» تنتجها شعوب وتفاعلات المنطقة. ثمَّة الأحداث تختلف، والأنظمة تتفارق، والتحالفات تتغير. لكن المشروع الواضح والمعلن لإدارة الإقليم بما يضمن إبقاءه ضعيفًا في معادلات القوة الدولية يعمل في كل مكان. ولا يصلح مبدأ «سد الذرائع» لحل كل هذا التعقيد. ربما يمكن افتراض أن تجنب السبب يفضي إلى زوال النتيجة على المستوى الفردي. لكنّ العلاقات الدولية تُظهر أن القوى الكبرى كثيرًا ما تكون أهدافها مستقلة عن السلوك الذي تتذرع به لتبرير سياساتها. ولا عوز في الذرائع التي يمكن اختلاقها لاستمرار التدخلات.
في إقليمنا، تدخل الغرب مرة باسم مكافحة الشيوعية. ثم «مكافحة الإرهاب». ثم نشر الديمقراطية. ثم حماية حقوق الإنسان وإسقاط الأنظمة القمعية. ثم منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. ثم مواجهة النفوذ الإيراني. ثم حماية الأمن الإقليمي وتأمين الحلفاء. وقد تبدلت العناوين، لكن البنية العامة للسياسات ظلت أكثر استقرارًا من الخطاب الذي يبررها.
في مسار تطبيع الكيان الاستعماري في المنطقة، على سبيل المثال، قُدمت اتفاقيات التطبيع باعتبارها الطريق إلى الاستقرار، والمقدمة لإنهاء الصراع وحلول عصر جديد من التعاون الاقتصادي وازدهار الشعوب. لكنّ السنوات التالية شهدت توسعًا غير مسبوق في الاستيطان، وتصعيدًا عسكريًا واسعًا في غزة ولبنان وسورية، واختلاق حرب مع إيران، والشروع في تهديد تركيا، والمزيد من الثقة في حديث الكيان عن إعادة رسم خرائط المنطقة والتوسع الاستعماري في دول العرب لتحقيق «إسرائيل الكبرى».
وينطبق الأمر نفسه على الخطاب العربي الداعي إلى تجنب أي مواجهة مع الولايات المتحدة والكيان. منذ نهاية الحرب الباردة قدمت دول عربية تنازلات إستراتيجية كبيرة، ونسجت علاقات وثيقة مع واشنطن، وربطت أمنها بترتيبات أمنية مشروطة بمزاج آخرين. لكنّ ذلك لم يؤد إلى تقليص النفوذ الأميركي على شؤونها الداخلية، ولا إلى إنهاء الضغوط السياسية والاقتصادية عليها، ولا إلى وقف إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وفق الرؤية الأميركية، ولا إلى أي شعور موثوق بالأمن.
لا بأس بالحذر من الاشتباك في لحظات الاختلال الهائل في موازين القوة. لكن الحكمة السياسية لا تعني أيضًا تحويل الخضوع إلى إستراتيجية بلا بديل. وإذا أصبح المبدأ الحاكم هو تجنب كل ما قد يثير حفيظة القوة المهيمنة، فإن المجال العام يضيق، والأولويات تتحول من بناء عناصر القوة إلى إدارة الضعف. ومن التفكير في تغيير موازين القوى إلى التكيف معها. ومن السعي إلى الاستقلال إلى تحسين شروط التبعية.
ولا ينبغي أن يكون هذا خيار للعرب. لن يفضي انتظار تغيّر موازين القوى تلقائيًا إلى شيء ما لم يصاحبه مشروع حقيقي وعامل لبناء القوة الاقتصادية والعلمية والعسكرية والمؤسسية بالإمكانيات الذاتية -ولغايات إستراتيجية. وثمة في التاريخ الحديث أمثلة على قوى صعدت من مواقع ضعف عندما بنت عناصر قوتها بالاستثمار الطويل والمخطط في التعليم والصناعة والتقنية والتنظيم السياسي. ولم تنتظر هذه الدول -من اليابان إلى «النمور الآسيوية»- تبدّل الظروف وإنما غيرتها بنفسها.
بعد أن أثبتت الأحداث الراهنة –مرة أخرى- عبثية «تعهيد أمن العرب» إلى نفس القوى التي تنزع أمنهم بوضوح، ينبغي نقل النقاش من «سد الذرائع» التي قد تستخدمها القوى الكبرى للتدخل إلى كيفية خفض قدرة تلك القوى على فرض إرادتها بالتدخل. وسوف يعيدنا ذلك إلى نفس الوصفة التي ليست مستحيلة ولا نادرة المكونات –إذا توفرت الإرادة.
يتطلب «سد ذرائع» التدخلات المدمرة في المنطقة بناء القوة، وتعزيز التكامل العربي، وتطوير الاقتصاد، وإنتاج المعرفة، وترسيخ المؤسسات، والتسلح الذاتي، وصياغة مشروع إقليمي مستقل قادر على حماية مصالحه والدفاع عنها بالقدرات الذاتية.
لن يفعل جعل «سد الذرائع» فلسفة سياسية شاملة سلبية في السياق العربي سوى تأبيد بقاء العرب بلا حول ولا قوة، وتسليم أقدارهم لآخرين معادين بوضوح لآمال العرب. ولذلك ينبغي، كضرورة وجودية، الانتقال من الانشغال بكيفية تجنب «استفزاز» القوة المهيمنة إلى كيفية وضع حد للهيمنة نفسها بوسائل عملية متاحة. لن تختفي السياسات القائمة على موازين القوة باختفاء ذرائعها، وستذهب فقط بتغيير البيئة التي تتيح استمرارها. وسيبدأ استقرار المنطقة وأمنها ببناء قدرة تجعل مشاريع الهيمنة أكثر كلفة على أصحابها -وأقل قابلة للحياة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية