اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العثامنة يكتب: حين تصبح كرة القدم سياسة

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


ليس جديدا أن تختلط الرياضة بالسياسة، ولا أن تتحول كرة القدم تحديدا إلى مساحة للنفوذ والمصالح والتحالفات؛ فهي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، ومن يديرها لا يدير مجرد بطولات ونتائج، بل شبكة هائلة من الأموال والحقوق والمصالح. ولهذا، فإن ما قاله الأمير علي بن الحسين أخيرا عن علاقته مع الاتحاد الدولي لكرة القدم لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خلافا رياضيا عابرا، لأن الحكاية في جوهرها تتجاوز الملعب إلى سؤال أوسع يتعلق بالقوة حين تتركز في مؤسسة دولية، وبما يمكن أن يحدث عندما تصبح الحقوق نفسها جزءا من أدوات هذه القوة.
 

فالأمير علي قال إن ملفات ومستحقات للاتحاد الأردني بقيت معلقة لأشهر، وإنه تلقى خلال كأس العالم إشارة واضحة إلى أن دعمه لرئيس "فيفا"، جياني إنفانتينو، قد يساعد في حل تلك الملفات، وهو ما وصفه صراحة بالابتزاز. ثم أعلن أن الأردن لن يدعم إنفانتينو. والمفارقة أن بعض المستحقات المالية المتأخرة وصلت بعد ذلك بأيام. وهنا لا تعود القضية في توقيت التحويل أو قيمته بقدر ما تصبح في المبدأ نفسه، لأن الاتحاد الأردني لا يطلب منحة شخصية، ولا يسعى إلى فضل من أحد، بل يطالب بحقوق يفترض أن تحكمها أنظمة المؤسسة، لا مزاج من يديرها ولا حساباته الانتخابية.
وهذه بالضبط هي المنطقة التي تصبح فيها كرة القدم سياسة. فالمؤسسات الدولية تنشأ أساسا لتنظيم العلاقات وتقليل أثر اختلال موازين القوة، لكنها قد تتحول، عندما تضعف الحوكمة وتتركز الصلاحيات، إلى نسخة مصغرة من ذلك الاختلال نفسه.
وحين يمتلك طرف ما المال والقرار والقدرة على تسريع ملف أو تعطيله، يصبح الفارق بين النفوذ والضغط دقيقا جدا، ثم يصبح أكثر خطورة عندما يُطلب من الطرف الأضعف أن يدفع مقابله موقفا أو ولاء.
ولذلك، فإن أهمية الموقف الأردني لا تأتي من وهم أن الأردن قادر منفردا على تغيير "فيفا"، كما أنها لا تأتي من خصومة شخصية مع رئيسها، بل من بساطة الفكرة التي عبّر عنها: فالحقوق لا يجوز أن تتحول إلى مكافآت، والتمويل المقرر للاتحادات ليس هبة من رئيس المؤسسة، كما أن التصويت في انتخابات دولية لا ينبغي أن يكون بابا للمقايضة. وإذا قبلت دولة صغيرة بهذا المنطق مرة لأنها تحتاج إلى مالها، فسوف تجد نفسها في المرة التالية مضطرة إلى دفع ثمن أعلى للحصول على الحق نفسه.
ثم إن الأردن ليس وحيدا في اعتراضه، فقد اتسعت خلال الفترة الأخيرة دائرة الانتقادات الموجهة إلى إدارة "فيفا"، وظهرت اعتراضات من اتحادات أخرى على مسائل تتعلق بالحوكمة وطريقة إدارة المؤسسة، وهو ما يجعل القضية الأردنية جزءا من نقاش أكبر عن مؤسسة أصبحت قوتها الاقتصادية والسياسية أكبر من أن تبقى بعيدة عن المساءلة، خصوصا أن اسمها الدولي لا يمنحها حصانة أخلاقية، كما أن شعبيتها لا تجعلها فوق قواعد الشفافية التي تطالب بها الآخرين.
وفي عالم تُقاس فيه قوة الدول عادة بحجم اقتصاداتها وجيوشها وأسواقها، تظل هناك مساحة أخرى للقوة، أقل صخبا وأكثر احتراما، وهي القدرة على قول "لا" عندما يكون ثمن "نعم" هو التنازل عن حق واضح. وربما لهذا كانت الحكاية الأردنية مع "فيفا" أكبر من كرة القدم، لأن المباراة الحقيقية لم تكن على العشب هذه المرة، بل في المسافة القصيرة جدا بين الحق والصفقة.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية