اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الزغول يكتب: الصّراع على مَنْفَذ الدولة العميقة: دلالات تغيير أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني»

{title}
أخبار الأردن -

 

د. محمد الزغول


 

ظهرت تجليّات صِراع السُّلطة في إيران، بوضوحٍ، في خلال الأيام الماضية، نتيجة الخلافات بشأن منصب أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني». ويكتسبُ الصراع على هذا المنصب السيادي أهمية خاصة، ضمن سياقات الصّراع على السلطة في إيران؛ لما للمجلس من مكانة بارزة، ورمزية في هرم تلك السلطة.

 

لعبةُ شَدٍّ وجذب تنتهي لصالح "الحرس القديم"
يمكنُ عَدُّ التطورات التي رافقت نبأ تعيين الجنرال محسن رضائي في المنصب، خلفاً للجنرال محمد باقر ذو القدر علامةً واضحةَ الدلالة على حالة التشظّي التي يُعانيها المشهد السياسي الإيراني في ضوء استمرار غياب القائد الأعلى، والخَلل الذي طرأ على تركيبة النظام السياسي بفعل الحرب الأخيرة. إذْ ظلّ هذا التّعيين مُعلّقاً لأيام، بعدَ أنْ رفضت حكومة الرئيس مسعود بزشكيان استبدال الأمين العام السابق الذي لم يمضِ على تسميته سوى أربعة أشهر بالجنرال المخضرم محسن رضائي. وجرى إدراج خبر التعيين، ثم حذفه، ثم إدراجه مرة أخرى في عدة منصّات ومواقع إعلامية إيرانية؛ ما عكس حالةً من التجاذب والتردّد بشأن القرار النهائي. كما صدرت أثناء ذلك تصريحاتٌ ومواقفُ مُتعارضة حول هذا التغيير، طرحتها وجوه سياسية بارزة، سواء من الوجوه المحسوبة على المعتدلين، أو الأخرى المنتمية إلى المعسكر المتشدد.

 

ويحتلُّ "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني" مساحةً كبيرة ضمن مطبخ القرار الإيراني، وذلك بموجب صلاحياتٍ يمنحها له الدستور الإيراني، وصلاحياتٍ أُخرى اكتسبها "المجلس" بحكم "العرف السياسي" في إيران. وتُعدُّ القرارات الصادرة عن المجلس مُلزِمَةً لجميع السلطات الثلاث، وللقوات العسكرية. وتُظهِرُ التجربة العمليّة أنّ المجلس يمتلك السّطوة في الملفات السياديّة، بما فيها الملف النووي.

 


مثّل تعيين محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي انتصاراً لمعسكر الحرس الثوري والدولة العميقة على حكومة بزشكيان (إعلام إيراني)
 

وفي حين تُعدُّ "مؤسسة الحكومة" عادةً خارج هيكل الدولة العميقة في المشهد السياسي الإيراني، فإنّ "المجلس الأعلى للأمن القومي" يمكن عَدُّهُ المنْفَذ الأساسي - وربما الوحيد - الذي يربط الحكومة بالدولة العميقة، ويمنحُها قوّة التأثير على قرارات تلك الدولة، سواءً من خلال كون الرئيس الإيراني رئيساً للمجلس بموجب الدستور، وهو الذي يمتلك حقّ تسمية أمين المجلس، أو من خلال تركيبة هذا المجلس السيادي؛ حيثُ تُشكِّل الشخصيّات الحكوميّة نصفَ أعضاء المجلس تقريباً.

 

ومن هذا المنطلق، يمكن عَدّ الصّراع الدائر بين الحكومة ومؤسسات الدولة العميقة على هذا المجلس صراعاً تقليديّاً، تُحاول الحكومة من خلاله ترسيخ مكانتها في هرم السلطة، والإمساك بزمام المُبادرة السياسية/العسكرية/الأمنية، أو التأثير عليها، كما تُحاول مؤسسات الدولة العميقة، عبره، تحديد صلاحيات الحكومة، والحصول على مساحة أوسع في صُنع القرار السّيادي.

 

بين الجنرال ذو القدر، والجنرال رضائي
جاء تعيين محمد باقر ذو القدر، في مارس الماضي، في منصب أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي" بعد مقتل الأمين المخضرم للمجلس، علي لاريجاني، مُباغِتاً، وغير مُتوقعٍ. فما كانت شخصيّة ذو القدر مطروحةً على الإطلاق ضمن هذا المستوى السّيادي من المواقع القياديّة. وعَدَّتُ الأطراف السياسية في إيران حينها قرار التعيين بمثابة العودة لـ "الحرس الثوري" إلى إدارة "المجلس" بعد أنْ كان قد خرج من قبضتهم، نتيجة تعيين علي لاريجاني أميناً له في أغسطس 2025.

 

وكان من اللّافت إصرار حكومة الرئيس بزشكيان على بقاء "ذو القدر" في المنصب، على الرغم من معارضتها لتعيينه في مارس الماضي، وترويجها فكرة أنّ تعيين ذو القدر يعني عودة "الحرس الثوري" إلى المنصب الذي أخرجه منه القائد الأعلى السابق علي خامنئي. ويبدو أن التطورات اللاحقة قد فرضت على الحكومة التمسُّك ببقاء "ذو القدر" في منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ومُعاندة الضغوط التي مورست لاستبداله بالجنرال مُحسن رضائي.

 

ويمكنُ إحالة جُزء من أسباب هذا التغيير المُفاجئ في موقف الحكومة إلى المواقف التي اتخذها ذو القدر أثناء توليه أمانة المجلس، فيما يعود الجزء الآخر إلى طبيعة الشخصية التي وقع عليها الاختيار لتحلّ في مكانه؛ أيْ الجنرال محسن رضائي. إذ خلافاً لما كان سائداً من توقُّعات، كانت حصيلة المواقف التي اتخذها الجنرال ذو القدر في خلال فترة عمله في أمانة المجلس مُتوافقةً إلى حدٍّ كبير، أو ذات مستوى أكبر من التّناغم مع توجُّهات حكومة بزشكيان، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب والمفاوضات. وبطبيعة الحال تبدو مواقف "ذو القدر" أنسب للحكومة إذا ما قورنت بالمواقف التي يتخذها الجنرال محسن رضائي الذي أكّد أنّ الحرب لا ينبغي أنْ تنهي قبل رفع العقوبات، والحصول على الغرامات، وعلى ضمانات دولية بعدم تكرار الهجوم، مُعلِناً أن النظام الإيراني سوف يتحرّك من مستوى الردّ إلى مستوى الهجوم إذا استمرت الضغوط عليه. وشكّك رضائي في أكثر من موقف بجدوى العُقوبات، ووقف إطلاق النار. وكلّها مواقف مُتشدّدة وبعيدة عن مواقف الحكومة.

 


تمسَّكت حكومة بزشكيان بمحمد باقر ذو القدر أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي (يسار الصورة) لضعف تأثيره وانسجامه النسبي مع مسارها التفاوضي، بينما يُعد محسن رضائي (يمين الصورة) شخصية متشددّة تتمتع برمزية تاريخية، ويصعب احتواؤها أو توجيهها (ميدل إيست أونلاين)
 

غير أن هناك ما هو أعمق من المواقف، يكمُن وراء إصرار الحكومة على بقاء "ذو القدر" في هذا المنصب، على الرغم من سيرته الذاتية التي تجعله في خانة بعيدة عن معسكر المعتدلين؛ فهو ذات الرجل الذي كان يحتلّ منصب نائب وزير الداخلية في حكومة أحمدي نجاد، والذي عدَّهُ الإصلاحيون آنذاك أحد أكبر أعدائهم: إذْ بخلاف الأمناء السابقين لهذا المجلس، كان "ذو القدر" طيلة فترة تصدّيه المنصب "أميناً دون حقيبة" لـ "المجلس الأعلى للأمن القومي"، وهو ما كان يُعدُّ مكسباً لا يمكن الاستهانة به لصالح حكومة بزشكيان: فقد جرت العادة، في خلال السنوات الماضية، أنْ يقوم رئيس الجمهورية - بصفتهِ رئيساً لهذا المجلس - بتعيين شخصية سياسية – أمنية، أميناً للمجلس، ثم يقوم القائد الأعلى الذي يمتلك حقّ تعيين اثنين من أعضاء المجلس ليمثّلاه في اجتماعاته، بتعيين الأمين كأحد مُمثّلَيْهِ، وبهذا يمتلكُ الأمين العامّ حق التّصويت. لكنّ مجتبى خامنئي لم يقُم بتعيين "ذو القدر" مُمثّلاً له بعد تعيينه في المنصب، وظلّ "ذو القدر" أميناً للمجلس من دون حقٍّ في التّصويت، أو التأثير على القرارات. وإذا كان ذلك يُقللّ من وزن "ذو القدر"، ويُحوّله إلى مُجرّد كاتبٍ، ومُنسِّق لاجتماعات المجلس، خلافاً للأمناء السابقين، فإنّه كان يصبُّ في مصلحة الحكومة التي امتلكت بذلك هيمنةً على قرارات المجلس. إذْ تركت معادلة "أمين المجلس الضعيف، والرئيس القوي" أثراً كبيراً في طبيعة القرارات التي اتخذها "المجلس"، ومنها قرار الدخول في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

 

ويضافُ إلى كلّ ذلك، تفضيلُ الحكومة شخصيةً ذات وزن قليل، على شخصية من عيار ثقيل لأمانة هذا المجلس؛ فبإزاء "ذو القدر"، الذي لم تتجاوز حقيبة مناصبه "مساعد قائد الأركان"، و"مساعد وزير الداخلية"، و"عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام"، لا يمكنُ للجنرال محسن رضائي الذي احتل مناصب عليا، منها: مؤسس "الحرس الثوري" وقائده لستة عشر عاماً، وأمين "مجمع تشخيص مصلحة النظام"، ومساعداً لرئيس الجمهورية، وأمين "المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي لرؤساء السلطات الثلاث"، وهو الجنرال بنجمتين (أعلى المناصب العسكرية في إيران)، والمساعد العسكري للقائد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، إلّا أن يكون قطباً من أقطاب المشهد السياسي الإيراني، حتى إذا لم نأخذ بالحسبان مكانته الرّمزية التاريخية في هرم السلطة في إيران. وكلّ ذلك ممّا يجعل الرّجل فوق مستوى قدرة الحكومة على التأثير في خياراته وتوجُّهاته إلى حدٍّ بعيدٍ.

 

الاستنتاجات 
شكّلت التّجاذبات التي رافقت تغيير أمين "المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني" محطّة جديدة ضمن صراعٍ قديم على السُّلطة والصلاحيّات في نظام سياسيٍّ مُعقّد ومتداخل الصلاحيات. ويُعدُّ الصّراع على قيادة "المجلس الأعلى للأمن القومي" واحداً من أهمّ مواضع الصّراع على الصّلاحيات في النظام الإيراني. وذلك لما يمتلكه هذا المجلس من صلاحيات سياديّة واسعة، يمنحها له الدستور الإيراني، كما يمنحها العرف السياسي المتبع في إيران. ولن يكون هذا الصّراع هو الأخير بين الحكومة التي تسعى إلى تكريس مُعادلة تُعدُّ المفاوضات من مساراتها الرئيسة، وبين الدولة العميقة التي لا تُريد الانصياع للمسار التّفاوضي، كما لا تُريد الانصياع للحكومة، أو منحها إذن الدخول إلى أروقة الدولة العميقة، والتأثير على قراراتها. وأفضت هذه التّجاذبات بالنتيجة إلى تكريس واقع بقاء الحكومة خارج سياج الدولة العميقة من طريق إغلاق البوّابة التي كانت تنفذ عبرها الحكومة إلى التأثير على القرار السيادي.

 

وقد نجحت مؤسسة "الحرس الثوري" خُصوصاً، ومؤسسات الدولة العميقة بشكلٍ عامّ، في دفع الحكومة إلى الوراء، وفرض تعيين الجنرال محسن رضائي في المنصب؛ ما يعني خروج "المجلس" من قبضة التيّار الذي يقوده الرئيس بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، والذي يدفع نحو تحريك عجلة المفاوضات.

 

وسيكون لتعيين الجنرال رضائي عدّة تداعيات على الشّأن الداخلي الإيراني؛ وبخاصّة إعادة توزيع القوى السياسية في العهد الجديد، وتقييد صلاحيات الحكومة في عدد من الملفات الداخلية. كما سيترك هذا التعيين تداعيات لافتة على المستوى الخارجي، وبخاصّة في الملفات الخلافيّة العالقة مع الولايات المتحدة التي تُشكّل الإطار العام للسياسة الخارجية الإيرانية. ويمكنُ استشعار أهميّة هذه التّداعيات بالنّظر إلى المحاولات الحثيثة التي بذلتها حكومة بزشكيان للحؤول دون حدوث هذا التغيير، وضمان استمرار عمل "المجلس" كما كان، في خلال الأشهر الأربعة الماضية.

 

على الصعيد الداخلي، سيؤدي تعيين رضائي إلى تشديد قبضة "الحرس الثوري"، ويغلق البوابة التي كانت الحكومة تؤثّر من طريقها في القرار السياديّ. وكان المراقبون قد عَدُّوا تعيين "ذو القدر" في مارس الماضي بمثابة عودة المجلس إلى أحضان الحرس، والكتلة الأمنية، لكنّ مواقف الرجل جاءت أكثر انسجاماً مع أجندة الحكومة؛ ما يعني أن تلك الانطباعات لم تكن صائبة، أو أن مؤسستي الحكومة والبرلمان تمكّنتا من إقناع "ذو القدر" بتبنّي أجندة التفاوض. ويبدو هذا التفسير منطقيّاً أكثر، إذا أخذنا بالحسبان الأنباء التي تسرّبت بالتزامن مع أنباء تعيين رضائي حول منع القائد الأعلى لوزير الخارجية من التدخل في المسار الدبلوماسي. إنّه باختصار تعزيز معسكر الدولة العميقة التي يقودها "الحرس" في وجه معسكر بزشكيان/قاليباف. وهو ما ستكون له تداعياتٌ على غالبية الملفات الداخلية، ومن ضمنها انتخابات مجالس البلديات التي لا يزال مصيرها مجهولاً حتى الآن.

 

وعلى الصعيد الخارجي، يعدُّ مجيء مُحسن رضائي نكسةً للمسار الدبلوماسي؛ إذْ سيُقلّل إلى حدٍّ بعيد من احتمالات نجاح هذا المسار. وكان معسكر بزشكيان/قاليباف قد استفاد من صلاحيات "المجلس الأعلى للأمن القومي" في التأثير على القرارات السياديّة، بما يتناسب مع إرادة الانفتاح، والانخراط في المسار الدبلوماسي، ونجح في فرض هذا المسار على القوى الأكثر تشدُّداً في النظام. لكنّ التغيير الجديد يحمل معه معالم وقفة في المسار الدبلوماسي، بسبب ما يتركه على طبيعة الأغلبية في هذا المجلس السيادي؛ إذْ يحسمها لصالح الدولة العميقة. وستكون النتيجة مزيداً من التشدُّد حيال ملفات السياسة الخارجية العالقة، مثل: البرنامج النووي، ومضيق هرمز، والمشروع الإيراني للصواريخ الباليستية. وسيكون جزءٌ من هذا التصلُّب ناجماً عن تغليب إرادة الحرس الثوري المختلفة عن إرادة الحكومة، بينما سيكون الجزء الآخر منها ناجماً عن شخصية رضائي، ومواقفه المتشددة، خُصوصاً حيال الخلاف مع الولايات المتحدة، وضرورة انتهاج سياسات جيو-عسكرية أكثر حِدّةً إزاءَ إدارة الرئيس ترمب.

 

مع ذلك، لا ينبغي أن نبالغ بشأن التأثير الذي يتركه تغيير أمين "المجلس" الذي يرأسه الرئيس بزشكيان؛ إذ يبقى للرئيس أثرٌ كبيرٌ في قرارات "المجلس"، وأجندته، لكنّ التجربة تُظهِر أنّ مكانة "المجلس" في الخريطة السياسية في إيران، تتأثر إلى حدٍّ كبير بشخصية أمينه، ومكانته ضمن الهرم السياسي؛ خُصوصاً إذا أخذنا بالحسبان تجارب سابقة، أدّت فيها شخصية أمين المجلس الأعلى للأمن القومي إلى استحواذ أمانة "المجلس" على ملفّاتٍ سياديّة، وتمكّنت من تسيير شؤونها بمعزل عن إرادة الحكومة. 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية