خطاطبة يكتب: عامل الوطن ليس وحده المسؤول!
محمود خطاطبة
عندما يزداد تراكم النفايات أو يتراجع مستوى النظافة في الأحياء، تتجه أصابع الاتهام مباشرة إلى عامل الوطن بشكل خاص أو البلدية بشكل عام، وكأنهما المسؤولان الوحيدان عن مثل هذا المشهد، غير أن الحقيقة غير ذلك؛ فالنظافة مسؤولية مشتركة، تتداخل فيها أدوار البلدية والمواطن والمجتمع بأسره.
وللأمانة، فإن مثل هذه النظرة غير منصفة أبدا؛ فكوادر البلدية المسؤولة عن النظافة، والتي تبدأ أعمالها قبل شروق الشمس، ويقضون ساعات طويلة بين الشوارع والحاويات، لا يمكن أن تتحمل وحدها نتائج التزايد السكاني، واتساع الرقعة العمرانية، وازدياد كميات النفايات، فضلا عن سلوكيات خاطئة يمارسها أفراد دون أدنى مسؤولية.
ويبدو أن المشكلة تكمن في غياب الشراكة، ليست في غياب الجهد.. ويلاحظ مثلا عندما ينظف عامل الوطن شارعا أو رصيفا، ترى بعض الناس وفي ظرف دقائق معدودة يلقون نفايات من نوافذ المركبات، أو يتركون أكياسا على الأرصفة، أو حتى يتم إخراجها في أوقات عشوائية، ما يعني أن أي منظومة للنظافة، مهما بلغت كفاءتها، ستفشل إذا لم يكن المواطن شريكا فيها.
وإذا ما عدنا قليلا إلى الوراء، فإن المجتمع الأردني بشكل عام، عرف ثقافة مختلفة تماما.. إذ ما زلت أذكر، كما يذكر كثيرون، كيف كانت العائلات تخصص يوما لتنظيف ما حول منازلها، فكانت الأمهات يجتمعن لتنظيف «الحوش» أو «الدخلة»؛ ذلك المدخل المشترك الذي يقود إلى عدة منازل. لم يكن أحد ينتظر عاملا أو جهة رسمية ليقوم بما يستطيع القيام به بنفسه، بل كانت النظافة عنوانا للتربية، وجزءا من احترام الجار، ودليلا على الانتماء إلى المكان.
اليوم، تبدلت هذه الثقافة لدى البعض، وأصبح هناك اعتقاد بأن مسؤولية النظافة تنتهي بمجرد إلقاء كيس النفايات خارج باب المنزل، بينما تبدأ مسؤولية البلدية أو عامل الوطن.. مثل هذا الفهم يحتاج إلى مراجعة جادة، لأن النظافة ليست خدمة تشترى بالضرائب أو الرسوم، بل قيمة حضارية تبدأ من سلوك الفرد قبل أن تصل إلى المؤسسات.
ومن هنا، فإن التوعية لا ينبغي أن تكون حملة موسمية أو شعارا يرفع في المناسبات، بل مشروعا مستمرا يبدأ من الأسرة. فالطفل الذي يتعلم منذ صغره احترام المكان وعدم إلقاء النفايات في الشارع، يحمل هذه القيمة إلى المدرسة والجامعة والحي ومكان العمل، حتى يصبح الحفاظ على النظافة سلوكا يوميا لا يحتاج إلى رقابة مستمرة أو عقوبة.
وفي المقابل، فإن الجهات المعنية مطالبة أيضا بإعادة النظر في آليات إدارة النفايات. ومن الأفكار التي تستحق التجربة تخصيص أيام محددة لإخراج النفايات المنزلية، وفق جدول زمني واضح ومعلن لسكان الحي الواحد.. مثل هذه الخطوة قد تسهم في تنظيم عملية الجمع، وتخفف العبء اليومي عن عمال الوطن، ليتمكنوا من التركيز على تنظيف الشوارع الرئيسة والفرعية، والأرصفة، والمرافق العامة، بدلا من استنزاف معظم وقتهم في جمع النفايات المنزلية.
كما يمكن تعزيز هذه الخطة بتطبيقات ذكية، تبلغ السكان بمواعيد جمع النفايات، وتوفير حاويات مناسبة، وتشديد الرقابة على المخالفين، إلى جانب إطلاق مبادرات تطوعية على مستوى الأحياء، تعيد إحياء روح التعاون التي عرفها المجتمع في سنوات مضت.
فاحترام عامل الوطن لا يكون بالتصفيق له في المناسبات أو بعبارات الشكر فقط، وإنما بتخفيف العبء عنه من خلال سلوك مسؤول. فالعامل يؤدي واجبه، لكن لا يجوز أن نطالبه بإصلاح أخطاء مجتمع بأكمله.
وختاما، فإن المدن النظيفة لا تصنعها البلديات وحدها، ولا عمال الوطن وحدهم، وإنما يصنعها مجتمع يدرك أن نظافة الشارع تبدأ من أمام باب منزله، وأن المحافظة على البيئة ليست واجبا وظيفيا يقع على عاتق موظف بعينه، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية وحضارية يشترك فيها الجميع.
وعندما يتحول هذا الوعي إلى ممارسة يومية، سنكتشف أن المشكلة لم تكن يوما في عامل الوطن وحده، وإنما في الطريقة التي فهمنا بها مسؤوليتنا تجاه المكان الذي نعيش فيه.







