اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

منصور يكتب: صناعة الصنم

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عاصم منصور


يفصل بينهما قرن كامل، وكل ما يمكن أن يفصل بين رجلين، أحدهما فلاّح سيبيري وفد إلى بلاط القياصرة في مسوح المتصوّف، والآخر طبيب مصري يحمل الشهادات ويخاطب الملايين من خلف الشاشة. لا يجمع بينهما زمن ولا لغة ولا رداء، ومع ذلك يقفان على الحدّ نفسه، تلك الفجوة بين ألم الناس وحدود الطب؛ فحين يعجز العلم أو يبدو عاجزا، يبرز رجل يعِد بما لا تعِد به المؤسسة يتبعه الناس وينزلونه مقام القديسين.
 

بنى راسبوتين نفوذه على معجزة واحدة، قدرته الظاهرة على تسكين نزيف الأمير الصغير أليكسي، وريث العرش المصاب بمرض الناعور، حين وقف أطباء البلاط حائرين، وبنى العوضي مجده على وعدٍ مشابه في جوهره، بأن تتركَ ما يصفه لك الأطباء فتنجو، وأن السرطان والسكري وهْمٌ لا وجود لهما، وأن الحِمية وحدها كفيلة بالشفاء منهما.
باع الرجلان البضاعة نفسها في وجه أشد ما يرعب الإنسان، المرض والألم، واستقطب كل منهما حوله انقساما حادا، بين متعصبين لهما أضفوا عليهما القداسة وآخرين رأوا فيهما دجالين يبيعون الناس الوهم.
فنحن نخطئ إن اعتقدنا أن المتعصب تنقصه الحقيقة أو أنه معنيّ بالبحث عنها، فهو حين يدافع عن معبوده إنما يدافع من خلاله عن نفسه. فالتعلق الشديد بشخص سواء كان قديساً أو طبيباً أو لاعب كرة أو زعيما لا يبقى إعجابا محايدا ينظر إليه من الخارج؛ بل يتسلل إلى الداخل حتى يصير المعبود قطعة من صورة المرء عن ذاته. وعندئذٍ يصبح أي نقد له جرح شخصي، وسقوطه اعتراف مذل بالخطأ، فهذه ليست معركة رأي يمكن إقناع صاحبها بالبرهان، بل دفاع عن الذات لن تجدي معه الحجة أو المنطق.
فالإمبراطورة التي رأت ابنها ينزف ويعجز الطب عن إيقاف نزيفه، لم تؤمن براسبوتين سذاجة منها، بل لأنه وحده من أعطاها ما تتعطش إليه كل أمّ لطفل مريض: الأمل. وكذلك من يصدق أن السرطان وهم، وأنه إن ترك الدواء وأصلح غذاءه سوف ينجو لا يشتري رأيا طبيا بل راحة من خوف لا يحتمل.
لكن الوعد وحده لا يصنع صنما؛ فلا بد معه من عدو، فبناء أي تعصب يقوم على خط يقسم العالم إلى «نحن» و»هم»: نحن القلة التي أبصرت ما لم يعيه الآخرون، وهم الأطباء وشركات الأدوية والمنظومة التي تكذب علينا، ولهذه القسمة إغراء خفي، لأنها تمنح النفس شيئين تشتهيهما دفعة واحدة: أنك لست وحيدا، وأنك أكثر وعيا وأرفع خلقا ممن حولك.
لذلك يصير التراجع أصعب بكثير مما قد يتصوره المراقب من الخارج، فمن أوقف دواءه، وخاصم أهله، ودافع عن معبوده في المجالس، لم يعد قادرا على التراجع بلا ثمن فادح، لأن التراجع إقرار بأن ما بذله كان عبثا، فيغدو التمادي أخف وطأة على النفس من الاعتراف، عندها لن يفلح أي دليل مضاد مهما بلغت وجاهته في ثني الشخص عن اعتقاده، ولا يوهن العقيدة بل يقويها؛ إذ يعاد تأويله فيصير النقد اضطهادا، أما الموت فيختم الأمر برمته، لأن الميت لا يخطئ وتتجمد صورته عند اللحظة التي يختارها له محبوه، نقية من كل شائبة، ولهذا بالضبط تضخم الرجلان بعد موتهما، فأنت تستطيع أن تجادل رجلا، لكنك لا تستطيع أن تجادل شهيدا.
ما راسبوتين والعوضي في النهاية إلا وجهين لحكاية إنسانية لا تنتهي، الشافي الذي يزدهر في الفجوة بين ألم الناس وحدود الطب، يتبدل رداؤه من مسوح الدرويش إلى معطف الطبيب، فالأصنام تنحت في تلك البقعة الهشّة فينا التي تخاف المجهول وتلتمس اليقين بأيّ ثمن. 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية