نارت قاخون يكتب: (("إقامة جبريّة" في "سيارة": "عمّان" من خلف الزجاج!))
نارت قاخون
تدفعك أزمة عمّان المروريّة إلى "كراهيّتها"! ثمّ تمنحك الوقت الكافي لتفكّر في الأسباب!
لا يحتاج "العمّانيّ" اليوم إلى عنوانٍ بريديّ لبيته؛ يكفي أن تقول: السيّارة رقم (...)، شارع (...)، المسرب الأيسر، قبل الإشارة الثالثة بمئتي متر!
هناك ستجده: يستقبل مكالماته، ويردّ على رسائله، ويستمع إلى نشرات الأخبار، ويشرب قهوته، ويدخّن سجائره، ويأكل طعامه... يعرف جيرانه في المسرب أكثر ممّا يعرف جيرانه في الحيّ! فلم تعد السيّارة وسيلةً توصلك إلى المكان؛ صارت مكاناً بذاته، مكتباً متنقّلاً، وغرفة انتظار، وأحياناً عنوان إقامةٍ شبه جبريّة تمنحك إيّاه عمّان صباح مساء...
تجلس في سيّارتك، لا أنت سائرٌ فتصل، ولا واقفٌ فتستريح؛ حالةٌ ثالثة اخترعتها المدينة، بين الحركة والسكون، وبين الطريق والإقامة.
أمامك إشارةٌ حمراء تبدو أكثر رسوخاً من بعض "المؤسّسات"! وخلفك رجلٌ يطلق زاموره كأنّك أنت الذي اخترعت اللون الأحمر! وعن يمينك سيّارةٌ تزحف نحو مسربك؛ لا تريد احتلاله كلّه، بل جزءاً صغيراً منه، لأغراضٍ أمنيّة مؤقّتة بالطبع!
ثمّ يظهر "شرطيّ السير"، فتتعلّق به الأبصار كما تتعلّق الشعوب بـ"الحاكم العادل"! يرفع يده فتتوقّف أمّة وتسير أمّة، ثمّ تكتشف أنّ قلبه، كقلوب البشر، ليس موزّعاً بالتساوي على المسارب: يحنّ على مسربٍ بعيد ويفتح له حتى تظنّ أنّ بينهما قرابةً قديمة، ويترك مسربك يذوي خلف المقود. وحين تتحرّك سيّارتان أمامك تستعيد بعض الأمل، قبل أن ترتفع اليد ويُغلق باب التاريخ من جديد.
وفي الأزمة تتكشّف فلسفة الأردنيّ في الطابور: هناك "ساذجٌ"، مثلي، يظنّ أنّ المسرب عقدٌ اجتماعيّ: اخترته فعليك أن تتحمّل مصيره. وهناك "فهلويّ واقعيّ" يعرف أنّ الخطوط البيضاء ليست قوانين، بل اقتراحات جماليّة؛ فيخرج من آخر الطابور، يسير بمحاذاته، ثمّ يطلب الدخول عند المقدّمة! لا يشعر أنّه تجاوز مئة إنسان؛ بل يشعر أنّه رجلٌ ذكيّ اكتشف ثغرةً في النظام. وإذا منعتَه، نظر إليك مستنكراً قسوتك وافتقارك إلى روح التكافل الاجتماعيّ.
هنا يصبح الشارع درساً صغيراً في العدالة: ينتظر الأكثرون، ويتقدّم بعضهم لأنّهم لا ينتظرون، ثمّ يدفع المنتظرون ثمن التزامهم. وبعد قليل يسأل الملتزم نفسه: ما قيمة القانون إذا كان يمنح المخالف مكافأةً زمنيّة؟ ولعلّ أخطر ما يصيب أيّ نظام أن يحتاج الالتزام به إلى بطولة، بينما لا تحتاج المخالفةُ إلا إلى قليلٍ من الجرأة وواجهة سيّارة صلبة!
وفي أثناء ذلك، يعيش اقتصادٌ كامل على حبسك؛ تفتح إذاعة FM، فتستقبلك مذيعة مفعمة بالحيويّة وتخبرك بأنّ "الحركة المروريّة كثيفة في بعض شوارع العاصمة"، وهي معلومةٌ كان ينقصك لمعرفتها أن تفتح عينيك فقط! ثمّ تُهديك أغنيةً "تخفّف عنكم الأزمة"، يتبعها إعلانٌ عن سيّارة جديدة، ثمّ عن مشروعٍ سكنيّ "على بُعد عشر دقائق من عمّان"؛ عشر دقائق في أيّ كونٍ موازٍ؟! لا يقول الإعلان! "عشر دقائق" قد لا تكفيك لتعبر "جسر النّهضة"!
ولولا ازدحام عمّان لخسرت إذاعاتٌ كثيرة جزءاً كبيراً من جمهورها؛ نحن "أسرى" مثاليّون: لا نستطيع مغادرة السيّارة ولا وقتنا. تأخذ الإذاعة الساعة التي خسرتها من عمرك، وتحولها إلى انتباهٍ تبيعه للمعلنين؛ يحترق بنزينك، وتتآكل أعصابك، وهي تقول بمرح:"خليكم معنا"!
للازدحام، كما تكتشف، ضحايا ومستفيدون.
"عمّان" مدينةٌ تكبر أسرع من قدرتها على المرور بنفسها؛ تتكاثر العمارات والمجمّعات والمطاعم والمكاتب، ويبقى الشارع كأنّه آخر من يعلم! نبني المكان ثمّ نفكّر كيف سنصل إليه، ونفتح المشروع ثمّ نتساءل أين ستقف سيّارات زبائنه؛ حتى تصير الأرصفة مواقف، والمواقف طرقاً، والطرق مفاوضاتٍ يوميّةً على حقّ العبور.
والازدحام لا يأكل البنزين وحده؛ يأكل شيئاً من الإنسان كلّ يوم! ساعة الطريق ليست رقماً في تقريرٍ مروريّ؛ إنّها ساعةٌ لا تنامها صباحاً، أو لا تجلسها مع عائلتك مساءً.
تصل إلى عملك وقد خضت معركةً لم تخترها، وتعود إلى بيتك وفي أعصابك بقايا الشارع، وينتقل "توتّر المدينة" إلى البيوت والمكاتب محمولاً على عجلات السيارات.
ومع ذلك، يحدث – أحياناً - أن يفتح لك سائقٌ طريقاً، وأن يشكرك آخر بإشارة يد، وأن يفسح الجميع لسيّارة إسعاف، فتتذكّر أنّ المدينة لا تعمل بالقانون وحده؛ بل بما تبقّى بين الناس من لطف.
ثمّ تفتح الإشارة أخيراً.
تتحرّك، تستعيد معنى الحياة، تقطع عشرين متراً تقريباً، فتجد أمامك صفّاً جديداً من الأضواء الحمراء.
هناك، في آخر الشارع، إشارةٌ أخرى.
ليست أزمة السّير في عمّان مجرّد خللٍ في المرور؛ إنّها تكثيف لمدينةٌ مصغّرة تتحرّك على عجلات: قانونٌ يلتزم به بعضنا ويتفاوض عليه بعضنا، وعدالةٌ يختبرها المنتظر حين يرى المتجاوز يصل قبله؛ فيكافئ "المتجاوز"، ويعاقب "الممتثل"! واقتصادٌ يجد في الوقت المهدور سوقاً، وتوتّرٌ يبدأ عند الإشارة وينتهي في البيت... في بضعة أمتارٍ من الإسفلت ترى شيئاً من علاقتنا بالنظام، وبالقانون، وبالآخر، وبالوقت، وبحقّ كلّ واحدٍ منّا في أن يصل.
فتفهم أنّ "عمّان" لا تريد منك أن تصل؛ تريد فقط أن تعلّمك الصبر بالتقسيط!







