اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

سبايلة يكتب: إيران.. حين تصبح الميليشيات آخر أوراق التفاوض

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عامر سبايلة


لم يعد التصعيد الحوثي ضد السعودية، ولا الحديث عن احتمال تنسيق هجمات تنطلق من اليمن والعراق في توقيت واحد، مجرد تطور أمني مرتبط بساحة بعينها، بل أصبح جزءا من معادلة إيرانية أوسع تحاول من خلالها طهران إعادة إنتاج أوراق القوة التي فقدت معظمها خلال العامين الماضيين. فالمشهد الحالي لا يتعلق فقط بإطلاق صاروخ أو مسيّرة، وإنما باستخدام ما تبقى من شبكة الوكلاء كوسيلة لتحسين الموقع التفاوضي وفرض معادلة سياسية جديدة.
 

إيران تدخل اليوم أي مفاوضات وهي تدرك أن جزءا كبيرا من أدوات الضغط التقليدية قد تآكل. فالجبهة اللبنانية لم تعد تمتلك القدرة نفسها على فرض معادلات الردع، والساحة السورية خرجت إلى حد كبير من الحسابات الإيرانية المباشرة، كما أن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج جعل استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط أكثر كلفة وأقل فاعلية. لذلك لم يبق أمام طهران سوى الساحات التي ما زالت تحتفظ فيها بقدر من حرية الحركة، وفي مقدمتها اليمن والعراق.
من هنا يمكن فهم توقيت التصعيد الحوثي، والحديث عن تنسيق محتمل مع فصائل عراقية لاستهداف السعودية. فالهدف لا يقتصر على توجيه رسالة أمنية إلى الرياض، بل يمتد إلى توجيه رسالة تفاوضية إلى واشنطن، مفادها أن إيران ما زالت قادرة على التأثير في استقرار المنطقة، وأن أي تفاهم معها لا يمكن أن يتجاهل نفوذها الإقليمي، حتى وإن تقلصت أدوات هذا النفوذ مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات.
لكن المهم، أن هذا التصعيد يعكس أيضا أزمة داخلية إيرانية تتجاوز البعد العسكري. فمع تعمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ودخول النظام مرحلة انتقال سياسي معقدة، أصبح جزء من مراكز القوة في طهران يرى أن أي تسوية مع الولايات المتحدة قد تُفسَّر داخليا باعتبارها تراجعا عن المشروع الإقليمي الذي استندت إليه شرعية هذا التيار طوال السنوات الماضية. لذلك يصبح التصعيد الخارجي وسيلة لحماية الشرعية الداخلية، تماما كما يصبح أداة لتحسين شروط التفاوض.
بهذا المعنى، لم تعد إستراتيجية "وحدة الساحات" تُستخدم بهدف فتح جبهات جديدة بقدر ما أصبحت وسيلة للحفاظ على صورة النفوذ الإيراني. فإيران لم تعد تملك القدرة على إدارة جميع الساحات كما في السابق، لكنها تحاول الإبقاء على انطباع بأنها ما زالت قادرة على تحريكها متى شاءت. ولهذا نشهد تركيزا أكبر على اليمن، ومحاولات لإعادة تنشيط بعض الفصائل العراقية، وحتى إنشاء تشكيلات جديدة تمنح طهران مساحة أوسع للمناورة وسياسة الإنكار عند تنفيذ الهجمات.
المشكلة أن استمرار هذا النهج يجعل المنطقة تدور في حلقة مفرغة من التصعيد. فكلما اقتربت فرص التفاهم السياسي، ارتفع منسوب العمليات التي ينفذها طرف في إيران أو وكلاؤه، باعتبارها جزءا من عملية التفاوض نفسها، لا خروجا عنها. وهنا تكمن المفارقة؛ إذ تتحول المفاوضات، التي يفترض أن تخفف التوتر، إلى عامل يدفع نحو مزيد من التصعيد الميداني.
وفي المقابل، تبدو دول المنطقة أمام اختبار مختلف. فالرهان الطويل على احتواء سلوك الوكلاء عبر الدبلوماسية وحدها لم ينجح في تغيير الحسابات الإيرانية. بل إن طهران قرأت هذا النهج باعتباره هامشا يسمح لها بمراكمة أدوات ضغط إضافية كلما اقتربت لحظة التفاوض. ومن هنا، فإن أي مقاربة جديدة لا يمكن أن تفصل بين التفاوض مع إيران وبين مستقبل الميليشيات التي تديرها، لأن الإبقاء على هذه الأدوات يعني عمليا الإبقاء على إمكانية إعادة إنتاج الأزمات في كل مرحلة تفاوضية.
في النهاية، لم تعد الميليشيات بالنسبة لإيران مشروعا للتوسع كما كانت في مراحل سابقة، بقدر ما أصبحت مشروعا للحفاظ على النظام نفسه. فكلما ازداد الضغط داخل طهران، ازداد الميل إلى تفعيل الوكلاء خارجها. ومن هنا، فإن فهم التصعيد الحالي لا يبدأ من صنعاء أو بغداد، بل من داخل إيران نفسها، حيث أصبحت معركة السلطة الداخلية هي التي تحدد إلى حد كبير شكل التصعيد في الإقليم، وتحوّل الميليشيات إلى آخر أوراق التفاوض.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية