اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المنسي يكتب: التعديل الوزاري.. ليست القضية من يرحل، بل ماذا أنجز؟

{title}
أخبار الأردن -

 

جهاد المنسي


كلما ارتفع منسوب الحديث عن تعديل وزاري، تنشغل المجالس ووسائل التواصل بالأسماء، وكأن القضية محصورة بمن سيغادر ومن سيأتي.
لكن في الحقيقة، هذا هو الجزء الأقل أهمية، فالتعديل في جوهره ليس تغيير أشخاص، بل مراجعة أداء، وإعادة ضبط إيقاع.
 

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن التعديلات لا ينبغي أن تُقرأ من زاوية ما يُتداول على منصات التواصل الاجتماعي، أو ما تطرحه فئة قليلة استوطنت الفضاء الرقمي، وأصبحت ترى المشهد العام من خلاله فقط، فهذه المنصات، رغم أهميتها، لا تختصر الرأي العام، ولا تعكس بالضرورة الصورة الكاملة، ولا يمكن أن تكون معيارا وحيدا لتقييم الأداء أو رسم السياسات، فصناعة القرار لا تُدار بردود الفعل السريعة، بل بقراءة أعمق للواقع بكل مكوناته.
في الدولة، لا يوجد منصب دائم، ولا وزير يملك صك البقاء، فالجميع يخضع لامتحان الأداء، والنجاح لا يُقاس بعدد الاجتماعات، ولا بعدد الجولات، ولا بحجم الظهور الإعلامي، وإنما بما تحقق على الأرض، وبما يشعر به المواطن في حياته اليومية، فالوزير الناجح ليس من يتحدث كثيرا، بل من يجعل الناس تتحدث عن أثر قراراته، وهو الذي يختصر الوقت، ويفتح الأبواب المغلقة، ويزيل العقبات، ويقود فريقه نحو الإنجاز، ويعرف أن كل يوم يمر دون نتيجة هو خسارة للدولة قبل أن يكون خسارة له.
بالمقابل، لا يبدأ إخفاق الوزير عندما يرتكب خطأ، فالخطأ وارد في العمل العام، وإنما يبدأ عندما يغيب القرار، وتتراجع المبادرة، ويصبح الانتظار سياسة، والتردد أسلوبا في الإدارة، فالوزير الذي يخشى اتخاذ القرار لن يصنع إنجازا، والذي يكتفي بإدارة الملفات كما وجدها، لن يترك أثرا بعد مغادرته.
ولدينا تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحا، فالدولة تواجه استحقاقات اقتصادية وإدارية كبيرة، وتسعى إلى جذب الاستثمار، وتحسين الخدمات، وتبسيط الإجراءات، وخلق فرص العمل، وهذه الملفات لا تنتظر مسؤولا يحتاج أشهرا حتى يفهم وزارته، بل تحتاج وزيرا يدخل وهو يعرف أين يبدأ، وماذا يريد، وكيف يصل.
ولعل أكبر خطأ يقع فيه بعض الوزراء هو الاعتقاد أن المحافظة على المنصب هدف بحد ذاته. بينما الحقيقة أن المحافظة على ثقة الدولة والمواطن لا تكون إلا بالعمل، والإنجاز، والقدرة على تحويل الخطط إلى نتائج. فالأوراق المكتوبة لا تغيّر الواقع، والوعود وحدها لا تبني ثقة.
كما أن الوزير الناجح هو من يحيط نفسه بفريق قوي، ويمنح الكفاءات فرصة، ويؤمن أن النجاح يُنسب للمؤسسة لا للفرد، أما من يحتكر القرار، أو يكتفي بالتقارير، أو ينشغل بالتفاصيل الصغيرة على حساب القضايا الكبرى، فإنه يستهلك وقته ووقت مؤسسته دون أن يحقق الفارق المطلوب.
اليوم، لم يعد الناس ينتظرون خطابات مطولة، ولا بيانات مليئة بالأرقام، ما ينتظرونه هو خدمة أسرع، وإجراء أبسط، وفرصة عمل، ومدرسة أفضل، ومستشفى أكثر كفاءة، وطريق أكثر أمانا، هذه هي اللغة التي يفهمها المواطن، وهي المعيار الحقيقي لنجاح أي وزير.
لذلك، فإن قراءة أي تعديل وزاري يجب ألا تبدأ من قائمة الداخلين والخارجين، بل من السؤال المهم: هل سيمنح هذا التعديل الحكومة قدرة أكبر على الإنجاز؟ وهل سيعالج مواطن الضعف؟ وهل سيعزز العمل بروح الفريق؟ فإن كانت الإجابة نعم، فقد حقق التعديل غايته، حتى قبل أن يبدأ الوزراء الجدد عملهم.
وفي النهاية، يبقى المنصب العام تكليفا لا تشريفا، ومسؤولية لا وجاهة، والوزير الذي يدرك هذه الحقيقة منذ يومه الأول، سيعرف أن النجاح لا يصنعه البقاء في الكرسي، بل ما يتركه من أثر بعد أن يغادره، فالناس لا تتذكر أسماء الوزراء طويلا، لكنها لا تنسى من خفف عنها عبئا، أو حل مشكلة، أو فتح نافذة أمل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية