شبلي يكتب: رسالة الإنسان في الحياة بين الإيمان والفلسفة ومقاومة الظلم
الدكتور سعد شاكر شبلي
جهود طيبة يقدمها الصديق العزيز سعادة القس سامر عازر عبر نشاطات إيمانية وثقافية وإنسانية واجتماعية تستحق الإشادة والثناء، تبدو واضحة عبر مقالاته اليومية التي جادت بها أنامله الكريمة، واليوم جاد علينا بمقال ضمن حسابه الشخصي ضمن منصة التواصل الاجتماعي (الفيسبوك) عن رسالة الإنسان في الحياة، هذه المقالة التي أثارت العديد من الدلالات المعرفية، وبغية تعميم الفائدة جال في الخاطر استكمال ما بدأ به سعادة القس، فكان هذا المقال المتواضع، عسى أن يلبي حاجة القارىء اللبيب في الاستزادة المعرفية.
منذ أن بدأ الإنسان يطرح أسئلته الكبرى حول الوجود، ظل سؤال " ما رسالتي في الحياة؟ " من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر الديني والفلسفي والإنساني. فالإنسان لا يعيش لمجرد البقاء، ولا تقاس قيمة حياته بما يمتلكه من مال أو سلطة أو مكانة، وإنما بما يقدمه من خير، وبما يتركه من أثر في حياة الآخرين، وبقدرته على أن يكون عنصراً في بناء العدالة والسلام والكرامة الإنسانية.
وقد تختلف الإجابات عن رسالة الإنسان باختلاف آراء المرجعيات الدينية والفلسفية، إلا أن هناك مساحات واسعة من الالتقاء بينها، تتمثل في الدعوة إلى الخير، والعدل، والرحمة، وتحمل المسؤولية، واحترام الإنسان، ورفض الظلم. ومن هنا يمكن النظر إلى رسالة الإنسان بوصفها مسؤولية تجاه الله، وتجاه نفسه، وتجاه الآخرين، وتجاه المجتمع والعالم.
أولًا: رسالة الإنسان في الحياة في القرآن الكريم
يقدم القرآن الكريم تصوراً متكاملاً لغاية الإنسان في الحياة. فالإنسان، في المنظور القرآني، ليس كائناً بلا هدف، وإنما هو مخلوق مكلف ومسؤول، وقد ارتبط وجوده بمهمتين أساسيتين: عبادة الله، وعمارة الأرض بالخير والعدل.قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). والعبادة في مفهومها الواسع لا تقتصر على الشعائر، بل تشمل كل عمل صالح يقصد به الإنسان الخير والإصلاح، ولذلك يرتبط الإيمان في القرآن بالسلوك والمسؤولية الأخلاقية. كما يقول تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)، وهي آية تؤسس لفكرة مسؤولية الإنسان عن الأرض، وعن إعمارها وإصلاحها وعدم إفسادها.
ويؤكد القرآن الكريم أن الإنسان مسؤول عن إقامة العدل، حتى عندما يكون ذلك ضد مصلحته الشخصية أو مصلحة أقرب الناس إليه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).
ومن هنا فإن رسالة الإنسان في القرآن يمكن تلخيصها في: الإيمان بالله، والعمل الصالح، وإعمار الأرض، وإقامة العدل، وصيانة كرامة الإنسان، ومقاومة الفساد والظلم. فالإنسان الصالح ليس منعزلاً عن قضايا مجتمعه، وإنما يتحول إيمانه إلى سلوك ومسؤولية وموقف أخلاقي.
ثانيًا: رسالة الإنسان في الحياة في الإنجيل المقدس
يقدم الإنجيل المقدس كذلك تصوراً أخلاقياً عميقاً لرسالة الإنسان، يقوم بصورة أساسية على محبة الله ومحبة الإنسان. فعندما سُئل السيد المسيح عليه السلام عن أعظم الوصايا، جاء في الإنجيل: " تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ... وَتُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (متى 22: 37-39).وهذه المحبة ليست مجرد شعور داخلي، بل هي محبة تتحول إلى عمل وسلوك ومسؤولية. وفي تعاليم السيد المسيح عليه السلام نجد دعوة واضحة إلى الرحمة، والغفران، ومساعدة المحتاج، وإغاثة المظلوم، وعدم مقابلة الشر بالشر.
وفي إنجيل متى، يربط السيد المسيح عليه السلام بين الإيمان وخدمة الإنسان، فيقول: " بِمَا أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هَؤُلَاءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ" (متى 25: 40). ويعكس هذا التعليم فكرة جوهرية، وهي أن علاقة الإنسان بالله لا تنفصل عن علاقته بالآخرين.
ويقدم الإنجيل المقدس أيضاً مفهوماً سامياً للسلام والمصالحة، ويدعو إلى أن يكون الإنسان عنصراً في نشر الخير، لا في صناعة الكراهية والانقسام.
ولذلك يمكن القول إن رسالة الإنسان، وفق التعاليم الإنجيلية، تتمثل في محبة الله، ومحبة القريب، وخدمة الإنسان، ونصرة الخير، والرحمة، والتواضع، وصنع السلام.
وعلى الرغم من وجود اختلاف في بعض التفسيرات والتقاليد بين الكنائس والمذاهب المسيحية، إلا أن هذه المبادئ الأخلاقية تشكل جزءاً أساسياً من التعاليم المسيحية حول مسؤولية الإنسان تجاه أخيه الإنسان.
ثالثًا: رسالة الإنسان في الحياة في آراء الفلاسفة
لم يكن سؤال غاية الحياة حكرًا على الأديان، بل كان من أهم الأسئلة التي ناقشها الفلاسفة منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث.
يرى سقراط أن الحياة لا تكتسب قيمتها من الثروة أو الشهرة، بل من السعي إلى الفضيلة ومعرفة الذات. ومن هنا ارتبطت فلسفته بفكرة أن الإنسان ينبغي أن يفحص حياته باستمرار وأن يسعى إلى أن يكون إنسانًا صالحًا.
أما أرسطو فقد ربط غاية الحياة الإنسانية بما سماه السعادة أو الازدهار الإنساني، ورأى أن الحياة الفاضلة هي التي يمارس فيها الإنسان الفضائل بصورة متوازنة، مثل الشجاعة والعدل والاعتدال والحكمة. فالسعادة عنده ليست لذة عابرة، وإنما حياة فاضلة يحقق الإنسان فيها قدراته.
وفي الفلسفة الحديثة، ركز إيمانويل كانط على كرامة الإنسان وضرورة معاملته باعتباره غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق مصالح الآخرين. ويؤدي هذا المبدأ إلى نتيجة أخلاقية مهمة: لا يجوز التضحية بالإنسان وكرامته من أجل السلطة أو المال أو المصالح السياسية.
أما جان بول سارتر، أحد أبرز فلاسفة الوجودية، فقد شدد على حرية الإنسان ومسؤوليته عن اختياراته. فالإنسان، في نظره، لا يستطيع أن يتخلى بسهولة عن مسؤوليته بحجة أن الظروف أجبرته؛ إذ تظل اختياراته جزءًا من تحديد معنى وجوده.
وهكذا، رغم اختلاف الفلاسفة في تفسير معنى الحياة، فإن عددًا كبيرًا من الاتجاهات الفلسفية يلتقي حول أهمية الحرية، والمسؤولية، والفضيلة، والكرامة، والبحث عن المعنى، وتحمل نتائج الاختيارات.
رابعًا: واجبات الإنسان في رفض الظلم
إذا كانت رسالة الإنسان تقوم على الخير والعدل والكرامة، فإن رفض الظلم يصبح واجبًا أخلاقيًا. فالظلم لا يبدأ فقط بالحروب والجرائم الكبرى، وإنما قد يبدأ بكلمة كاذبة، أو شهادة زور، أو استغلال للضعيف، أو تمييز بين الناس، أو السكوت عن انتهاك حقوق الآخرين.
ويؤكد القرآن الكريم بصورة واضحة مبدأ العدل، كما يدعو إلى التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان. وفي الإنجيل نجد كذلك دعوات متكررة إلى الرحمة والمحبة وخدمة الضعفاء وصنع السلام. أما الفلسفة الأخلاقية الحديثة فقد جعلت العدالة والكرامة وحقوق الإنسان من القضايا المركزية في التفكير السياسي والأخلاقي.
ومن أهم واجبات الإنسان في مواجهة الظلم:
- رفض الظلم أخلاقيًا وفكريًا وعدم اعتباره أمرًا طبيعيًا أو حتميًا.
- قول الحقيقة وعدم المشاركة في نشر الأكاذيب التي تبرر الاعتداء على الآخرين.
- الدفاع عن كرامة الإنسان بصرف النظر عن دينه أو جنسيته أو عرقه أو موقفه السياسي.
- مساعدة المظلوم بالوسائل السلمية والقانونية الممكنة.
- عدم التحول إلى ظالم أثناء مقاومة الظلم؛ فالغاية العادلة لا تبرر كل وسيلة.
- رفض خطاب الكراهية والتحريض على المدنيين، لأن الظلم لا يصبح عدلًا لمجرد أن مرتكبه يرفع شعارًا سياسيًا أو دينيًا.
- المطالبة بالمحاسبة وسيادة القانون عندما تقع انتهاكات للحقوق.
- التمييز بين نقد السياسات وبين كراهية الشعوب؛ فالاعتراض على حكومة أو قوة سياسية لا يعني العداء لشعب بأكمله.
إن رفض الظلم لا يعني بالضرورة امتلاك القوة العسكرية أو السياسية، بل يبدأ من موقف الإنسان نفسه: ألا يكذب، وألا يبرر الظلم، وألا يسكت عنه عندما يستطيع أن يتكلم، وألا يتعامل مع معاناة الآخرين باعتبارها شأنًا لا يعنيه.
خامسًا: رسالة الإنسان تجاه سياسات القوى الكبرى
يعيش الإنسان المعاصر في عالم تتداخل فيه مصالح الدول الكبرى والقوى الاقتصادية والعسكرية والإعلامية. وقد تؤثر قرارات هذه القوى في مصير شعوب بأكملها، سواء من خلال الحروب، أو العقوبات الاقتصادية، أو التحالفات السياسية، أو التحكم في الموارد، أو التأثير في المؤسسات الدولية.
ومن هنا تبرز مسؤولية الإنسان في ألا يكون مجرد متلقٍ سلبي لما تفرضه القوى الكبرى من روايات ومواقف. فالمواطن والمثقف والإعلامي والباحث ومنظمات المجتمع المدني جميعهم يمتلكون دورًا في المساءلة والنقد وكشف التناقضات والدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان.
ولا ينبغي أن يكون معيار الإنسان في الحكم على سياسات الدول هو قوة الدولة أو ضعفها، أو قربها السياسي منه، وإنما ينبغي أن يكون المعيار هو العدل وحقوق الإنسان وحماية المدنيين واحترام سيادة الشعوب والقانون.
فإذا أدانت دولة ما انتهاكًا عندما يرتكبه خصمها، ثم تجاهلته عندما يرتكبه حليفها، فإن الموقف الأخلاقي السليم يقتضي رفض هذا الكيل بمكيالين. وكذلك فإن رفض سياسات قوة كبرى لا يعني رفض كل ما تقوم به، كما أن تأييد بعض سياساتها لا يعني قبول جميع أفعالها.
وتتمثل رسالة الإنسان تجاه سياسات القوى الكبرى في المحافظة على استقلال الضمير، والتحقق من المعلومات، ورفض الدعاية والتحريض، ومساءلة أصحاب القرار، والدفاع عن حقوق الشعوب، ودعم الحلول السلمية، والتمسك بالقانون والعدالة.
كما أن المسؤولية لا تقع على الحكومات وحدها؛ فالمجتمعات والأفراد يستطيعون التأثير من خلال المعرفة، والتعليم، والإعلام المسؤول، والمشاركة المدنية، والعمل الإنساني، والدعوة إلى السلام والعدالة.
في الختام نقول أن المقارنة بين ما جاء في القرآن الكريم والإنجيل المقدس والفلسفة عن رسالة الإنسان في الحياة تكشف عن حقيقة إنسانية مهمة، وهي أن الإنسان لا يستطيع أن يجد معنى عميقاً لحياته إذا جعلها قائمة فقط على المصلحة الشخصية أو القوة أو الاستهلاك. فالإنسان، في المنظورات الدينية والفلسفية المختلفة، كائن مسؤول عن أفعاله وعن أثره في العالم.
فالقرآن الكريم يربط الإنسان بالعبادة والعمل الصالح والعدل وإعمار الأرض، والإنجيل المقدس يركز على المحبة والرحمة وخدمة الإنسان وصنع السلام، بينما تؤكد أغلب المدارس الفلسفية على الفضيلة والحرية والمسؤولية والكرامة الإنسانية.
ومن ثم فإن رسالة الإنسان الحقيقية هي أن يكون إنساناً قبل أن يكون صاحب سلطة أو تابعاً لدولة أو جماعة أو أيديولوجيا؛ وأن يجعل من عقله وضميره وإيمانه أدوات للخير، لا أدوات للتعصب والظلم.
إن مواجهة الظلم تبدأ من الإنسان نفسه، ومن قدرته على التمييز بين الحق والباطل، وبين الحقيقة والدعاية، وبين نقد السياسات وكراهية الشعوب.
أما موقف الإنسان من القوى الكبرى ذات التوجهات العدوانية، فالمطلوب ليس الخضوع لها ولا معاداتها بصورة عمياء، وإنما التعامل معها بميزان أخلاقي ثابت: ما يحفظ كرامة الإنسان وحقوقه وعدالته وسلامه الذي يستحق التأييد، وما ينتهك هذه القيم يستحق الرفض والمساءلة، مهما كان صاحبه قوياً أو ضعيفاً.
وبذلك تتحول حياة الإنسان من مجرد وجود فردي إلى رسالة ومسؤولية وأثر؛ رسالة في العبادة والخير، ومسؤولية في العدل، وموقف في مواجهة الظلم، ودور في بناء عالم أكثر إنسانية وسلاماً.







