اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: "سد الذرائع": من الفقه إلى التسييس..! (3)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


السياق الفلسطيني
يواجه الفلسطينيون استعمارًا استيطانيًا إحلاليًا يحاول نسخ تجربة الاستعمارين الأميركي والأسترالي. لكن المشروع الصهيوني يظل -النقيض من هذين الاستعمارين الناجزين في حالة صراع ومهددًا بالفشل بسبب المقاومة الباسلة المستمرة للشعب الفلسطيني. وعلى الرغم من كل الظروف والقوى المعاكسة التي تحيط بمقاومة الفلسطينيين، وأيا كانت المآثر والأخطاء التي خالطت مقاومتهم، فإنها نجحت –بمعاونة الشعوب العربية والمحبين للحرية- في إبقاء المشروع الاستعماري غير مستقر ولا آمن، وإبقاء القضية التحررية الفلسطينية حية وتناضل.
 

تساوي المقاومة الفلسطينية، في مواجهة استعمار إبادي إحلالي، الدفاع عن الحياة نفسها. ولو تم إنجاز المشروع الاستعماري الصهيوني لما كان في العالم شيء اسمه فلسطين وفلسطيني، ولَاستقرت الأجيال «فلسطينية الأصل» في وضع الـ»بلا دولة» والبلا حقوق. وقد أوضح الفلسطينيون طوال أكثر من قرن، منذ الاستعمار البريطاني وبعده الصهيوني، أنهم لا يرون هذا خيارا مهما كانت الكلفة. وعلى تنوع أشكال نضالهم من أجل الوجود، أصبح مُلخصًا في كلمة دخلت قواميس لغات العالم: الصمود؛ التمسك بالأرض والهوية والحقوق في مواجهة مشروع الاقتلاع والإحلال.
تاريخيًا، لم يرحل استعمار طوعًا أو إشفاقًا على المستعمرين أو إطلاقًا لسراحهم بسبب حسن السلوك. وإذا كان الاستعمار استيطانيًا إحلاليًا فإن الحُلم بأن يرحل من دون مقاومة يعني الانتحار التاريخي الأكيد، لأنه لن يسمح للمستعمَرين حتى بمجرد الوجود في التاريخ. ولذلك، من المستغرب أن يصبح الكفاح المسلح موضوعًا جدليًا في التنظير السياسي الفلسطيني في مواجهة استعمار استيطاني إحلالي، وسيكون هذا الجدل بحد ذاته خطوة على طريق الهزيمة. إن السلاح هو وسيلة الاستعمار لإنجاز مشروعه، ويصعب تصور مواجهة السلاح بالصدر العاري وتوقع حُسن النية. ومع ذلك، جرّب جناح في حركة التحرر الفلسطينية «النضال السلمي» باعتباره الوسيلة الوحيدة الصالحة للتحرر –ولو جزئيًا- وأقام سياسته، كمبدأ أساسي، على نسخة من قاعدة «سد الذرائع» الفقهية في الأساس.
منذ نشوء «السلطة الفلسطينية» كمُخرج لـ»اتفاقات أوسلو» 1993، بنت جزءًا كبيرًا من خطابها على فكرة أن مقاومة الاحتلال –خاصة المسلحة- ستمنح سلطات الاستعمار «ذريعة» لتدمير المشروع الوطني، أو إعادة احتلال المدن الفلسطينية، أو وقف المفاوضات، أو عزل الفلسطينيين دوليًا، أو إذلال الفلسطينيين وسجنهم وقتلهم. وفي تجربة السلطة الفلسطينية، أصبح حرمان الكيان مبررات هدفًا سياسيًا قائمًا بذاته -حتى لو كان مشروطًا بتقييد أشكال المقاومة المختلفة، وتعزيز التنسيق الأمني، وإعطاء الأولوية لـ»الاستقرار الداخلي» على حساب الصراع مع الاستعمار.
والآن، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجربة، ينبغي إجراء مراجعة تتجاوز منطقية هذه السياسة عند انطلاقها، وتذهب إلى تقييم ما أنتجته فعليًا على الأرض. هل منع «سد الذرائع» الكيان الاستعماري من تنفيذ مشروعه، أم أنه وفر له أفضل بيئة يمكن أن يحلم بها لاستكمال المشروع بأقل كلفة ممكنة؟
كان ما حدث هو أنه عند توقيع اتفاقات أوسلو في قبل ثلاثة وثلاثين عامًا، كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، يقرب من 110 آلاف مستوطن. واليوم تضاعف العدد مرات ليصل إلى نحو 750 ألف مستوطن في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وخلال الفترة نفسها، تضاعفت مساحة الطرق الالتفافية، واتسعت المناطق العسكرية المغلقة، وأقيم جدار الفصل، وتحولت مناطق واسعة من الضفة الغربية إلى كانتونات منفصلة، بينما بقيت المنطقة «ج»، التي تشكل نحو 60 في المائة من مساحة الضفة، تحت السيطرة الكاملة للسلطات الاستعمارية.
لم تمنع السياسة التي هدفت إلى تجنب «استفزاز» الكيان إذن سلطة الاستعمار من مواصلة مشروعها الذي يكافئ وجودها نفسه. لم يمنع ضبط النفس التوسع الاستيطاني. ولم يمنع التنسيق الأمني مصادرة الأراضي. ولم تمنع المفاوضات –المتوقفة فعليًا- عمليات الهدم والتهجير. ولم يؤد الالتزام بالاتفاقيات إلى إنهاء الاحتلال -أو حتى تجميده. ولم يُقتصر الأمر على عدم قيام الدولة الفلسطينية في موعدها المقرر في الاتفاقات، وإنما تلاشت تمامًا كل مؤهلات قيام دولة قابلة للحياة. وخلال كل هذه الفترة، تمكن الكيان من تنفيذ أكبر عملية استعمار استيطاني في تاريخ الضفة الغربية بأقل مستوى من كلفة المواجهة المباشرة.
افترضت السلطة الفلسطينية بداية أن الكيان يحتاج إلى «ذريعة» ليتوسع أو يُعاقب الفلسطينيين. لكن كل يوم في العقود الثلاثة الأخيرة أثبت أن المشروع الاستيطاني لا ينتظر أي ذرائع، وأن ترسيخ وجوده وتوسعه هما إستراتيجية ثابتة سبقت اتفاقات أوسلو واستمرت بعدها. بينما كانت المقاومة المسلحة تتراجع، استمر الاستيطان. وعندما كانت السلطة تنسق أمنيًا، استمر الاستيطان. وحتى خلال سنوات «الهدوء النسبي»، لم تتوقف مصادرة الأراضي وواصلت صلاحيات السلطة على الأرض الانكماش فحسب.
لم تسفر فكرة الحفاظ على حياة الفلسطيني وأمنه باعتبارهما أثمن من التحرر من الاستعمار عن حفظ حياة ولا أمن –رغم ضحالة تعريف «الحياة» في هذا السياق. كانت هذه الحياة دائمًا مهددة ومُهانة ومستهدفة. وبحسب بيانات جمعها الباحث الفلسطيني رمزي بارود، أسفرت هجمات الكيان واعتداءات مستوطنيه في الضفة الغربية المحتلة منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2023، رغم كل «سد الذرائع» الذي التزمت به السلطة، عن مقتل أكثر من 1.090 فلسطينيا -بينهم 239 طفلًا على الأقل- وإصابة أكثر من 6.800 آخرين. وشُرِّد قسرًا أكثر من 10.000 فلسطيني، واعتُقل أكثر من 11.000 خلال المداهمات والاعتقالات العسكرية. وإلى جانب ذلك، أعلنت السلطة الاستعمارية عشرات آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية «أراضي دولة»، في أكبر عملية استيلاء متواصلة على الأراضي منذ اتفاقيات أوسلو، مع إضفاء الشرعية بأثر رجعي على عشرات البؤر الاستيطانية ودفع خطط لبناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة.
يصف الكاتب الهندي، فيجاي براشاد، ما يحدث في الضفة المحتلة، فيكتب: «ثمة خارج أنقاض غزة خريطة فلسطين يعاد رسمها في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية. لا يكاد يمر يوم من دون تقارير عن مصادرات الأراضي وتوسيع المستوطنات، وهدم المنازل الفلسطينية، والهجمات العنيفة التي يشنها المستوطنون، والتفتيت المستمر للأراضي الفلسطينية.
بينما يتم تدمير غزة بقوة عسكرية ساحقة، يجري تحويل القدس الشرقية والضفة الغربية من خلال الضم البيروقراطي، والذرائع القانونية، والمستوطنات الدائمة، والقسوة التي تُمارَس بحق السكان الفلسطينيين باستخدام الاعتقال الإداري وهدم المنازل.
إن هذه الهجمات على الأرض الفلسطينية المحتلة هي تعبيرات عن المشروع ذاته: إبادة الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أرضه تحت ذريعة بناء ما يُسمى ’إسرائيل الكبرى‘«. (انتهى الاقتباس)
وإذن، رغم أن سياسة «سد الذرائع» وتجنب الصدام مع الاحتلال نشأت في ظل اختلال هائل في موازين القوى وضغوط سياسية ومالية شديدة وتخلٍ دولي وإقليمي، فإنها انتهت إلى نتائج معاكسة لأهدافها. فقد ساهم التنسيق الأمني في تخفيض كلفة الاحتلال، وحوّل النقاش الداخلي من مساءلة الاحتلال إلى استنطاق المقاومة وردود الفعل الفلسطينية. ولم يتوقف الاستيطان ولم يذهب الاحتلال ولم تقم دولة فلسطينية. وأظهرت التجربة بعد ثلاثة عقود أن إزالة «الذرائع» لم تردع المشروع الاستيطاني الإبادي بقدر ما ساهمت في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لتطوره وترسيخه. وربما يكون أقل ما يجب فعله هو إجراء مراجعة نزيهة وجادة لوجاهة تطبيق «سد الذرائع» في سياق استعماري استيطاني إحلالي، والعثور على بديل.
 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية