عوض يكتب: من سيدفع ثمن الذكاء الاصطناعي ومن سيحصد العوائد؟
أحمد عوض
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تطور تقني متسارع، بل أصبح واحداً من أكبر ميادين الصراع الاقتصادي والسياسي في العالم، ويعمل على إعادة تشكيل وتوزيع القوى في العالم. مئات المليارات من الدولارات تتدفق نحو الرقائق ومراكز البيانات والطاقة والحوسبة والنماذج المتقدمة، في سباق تقوده الولايات المتحدة والصين، وبدرجة أقل أوروبا الغربية.
لكن خلف هذه الأرقام الضخمة يبرز سؤال أكثر أهمية: من سيحصل فعلياً على عوائد هذه الاستثمارات والثروات؟
المؤشرات الأولية لا تدعو إلى كثير من الاطمئنان. فبدلاً من أن يقود هذا التحول تلقائياً إلى توزيع أوسع للثروة والفرص، هناك أسباب جدية للاعتقاد بأنه قد يعمق المسافة الاقتصادية والتكنولوجية بين الدول الغنية والدول التي اصطلح على تسميتها دول الجنوب العالمي، وفي الوقت نفسه يوسع الفجوة داخل الاقتصادات المتقدمة نفسها بين الشركات العملاقة وقطاعات واسعة من العاملين والمجتمع.
فالقدرات الأساسية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي، من الرقائق المتطورة إلى مراكز البيانات والحوسبة السحابية والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة، تتركز بدرجة كبيرة في عدد محدود من الدول والشركات. وهذا يعني أن جانباً مهماً من الزيادة المتوقعة في الإنتاجية والدخل قد يذهب إلى أصحاب رأس المال والتكنولوجيا والملكية الفكرية، وليس بالضرورة إلى العاملين أو المجتمعات التي تستخدم هذه التقنيات.
ويكثر الحديث في المقابل عن أن الذكاء الاصطناعي سيخلق فرص عمل جديدة أكثر من الوظائف التي سيلغيها. لكن هذه الفرضية تحتاج إلى قدر أكبر من الحذر والتدقيق. فهي تستند في جانب منها إلى تجارب تاريخية سابقة، حيث أدت الثورات الصناعية والتكنولوجية في نهاية المطاف إلى ظهور قطاعات ومهن جديدة.
غير أن التاريخ لا يعيد نفسه آلياً. فالنتائج الاجتماعية الإيجابية للتحولات التقنية السابقة لم تنتج عن التكنولوجيا وحدها، بل جاءت أيضاً نتيجة توازنات اجتماعية وسياسية، ونقابات قوية، وتشريعات عمل، وأنظمة حماية اجتماعية، وتعليم عام جيد وواسع، وسياسات ضريبية أعادت توزيع جانب من مكاسب النمو. كثير من هذه الشروط هي أضعف اليوم مما كانت عليه في مراحل تاريخية سابقة.
كما أن القول إن العاملين الذين ستختفي وظائفهم سينتقلون بسهولة إلى وظائف جديدة يفترض توافر مستويات عالية من التعليم والمهارات الرقمية وإمكانية الوصول إلى التدريب المستمر بشكل عادل ومتاح للجميع. وهذه الشروط غير متاحة لمئات الملايين من العاملين، وخاصة في البلدان التي تعاني أصلاً من ضعف أنظمة التعليم وارتفاع البطالة واتساع الاقتصاد والعمل غير المنظمين ومحدودية نظم الحماية الاجتماعية.
نعم سيخلق الذكاء الاصطناعي وظائف جديدة، لكنها قد تكون أقل استقراراً، وأكثر خضوعاً للعمل المؤقت والمنصاتي والمراقبة الرقمية وضغوط الإنتاجية، ما لم تتطور تشريعات العمل والحماية الاجتماعية بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا.
نحن أمام تحول تاريخي كبير في أدوات الإنتاج وعلاقات العمل، ولا ينبغي التعامل معه بالتشاؤم، لكن لا مبرر أيضاً للتفاؤل المفرط بعوائده الاجتماعية. فالذكاء الاصطناعي قادر على زيادة الثروة العالمية بصورة هائلة، لكنه لا يمتلك آلية ذاتية لتوزيعها بعدالة.
من دون سياسات وطنية ودولية تعيد التوازن بين رأس المال والعمل وبين الاقتصادات القوية والأقل قدرة، قد نكتشف بعد سنوات أننا أمام واحدة من أعظم ثورات الإنتاج في التاريخ، وفي الوقت نفسه أمام واحدة من أكبر موجات تركّز الثروة والتفاوت الاجتماعي.







