عايش يكتب: الجمال (والقيم كافة) ثقافية / نسبية
حسني عايش
كل الاحتمالات تفيد أن كل واحد/ة حساس نحو الجمال "والحق والخير"، أي ميال نحوها ويقف عندها. لكن لكل واحد/ة جماله أو حقه أو خيره. أي أنه يوجد فرق أو فروق في هذا الاحساس بين الأفراد. ومصدر هذا الفرق أو الفروق بينهم ناجم عن خبرات كل واحد/ة منهم الخاصة، أي نحو أنواع معينة من الجمال "والحق والخير"، فليس كل جمال أو حق أو خير هو نفسه عند جميع الأفراد، فبعضهم لديه حساسية كاملة للمسحة السحرية للجمال المفتون به، وبعضهم لديه نصفها، وهكذا.
وينبع هذا الفرق من خبرة كل منهم كما ذكرت، وبخاصة في مرحلة الطفولة: من هدير البحر وأمواجه عند المقيمين قربه، أو من قمة الجبل الساحرة عند المقيمين بقربه، أو من أغنيات الطيور عند الفجر عند المقيمين بالقرب من الغابات في فصل الربيع، أو من رائحة دخان الحطب في الخريف، إن القائمة لا تنتهي. إن إجماع الناس على حب الشعر والموسيقا والفن شهادة على وقوع الجميع في حب الجمال، ومحاولة كل منهم العيش معه وإثراء حياته به. من هذا وذاك ندري أن الجمال (والقيم كافة) ثقافي أو نسبي، أي ليس هو نفسه (أو مطلقاً) عند الأفراد وجميع الشعوب.
لكن الجمال يختلف عن غيره منها أنه يحمل في طياته مسحة لطيفة أو ناعمة من الحزن gentle sadness كما يقول جي. بي. فليبس القسيس الأميركي 1981 في كتابه Your God is Too Small كالحزن الذي تراه في الموناليزا مثلاً، ويكون هذا الحزن مؤثراً قليلاً أو كثيراً أو مؤلماً أو حتى جارحاً في بعض الأحيان كما يضيف، وأن المرء ليندهش من ذلك.
الجمال مطلوب أي مرغوب فيه في كل زمان ومكان، لأنه يجلب المتعة والمسرة الفريدتين للإنسان. إنهما يختلفان عن متعة أو مسرة تناول الطعام، أو حل مشكلة مستعصية، وحتى استكمال نشاط إبداعي لأنه قلما تصاحبها هذه المسحة من الحزن. كما أن كلا من هذه المسرات أرضي أي ليس لها هذا الأثر أو التأثير الذي للجمال في الإنسان. وإننا نشعر بذلك بدون عملية وعي عقلية، وكأننا نقول لأنفسنا: هكذا يجب أن يكون الأمر، وهكذا يجب أن تكون الحياة، وإلا فما هو الجمال؟
لعل إجماع خبراتنا اليومية بكل عيوبها وقبحها، وقيمنا بكل أنواعها وثقلها نوع من الحنين إلى الخلود Immortality Intimation. إنها روح خالدة في كل انسان تجعله يحن إلى ذلك؟ لا أحد يستطيع أن يثبت ذلك، ولكن نداء الجمال الكلي لا يمكن مسحه بسهولة. إنه مؤثر إلى شيء ما يقع في ما وراء الحدود الآنية للزمان والمكان، وكأن فيلبس يود أن يصرح أنه الله.
وفي الختام: إننا نستطيع أن نقول وبكل درجة أن الجمال يبعث فينا شوقاً وحنيناً وجوعاً وعطشاً فلا نشبع ولا نرتوي منه، بل إن كثيراً من المفكرين والفلاسفة يرون أننا لا يمكن أن نرتوي أبداً من الجوع والعطش إليه (بتصرف واسع من كتابه).







