اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

تهاني روحي تكتب: الصحة النفسية للأطباء.. من يعتني بمن يعتني بالجميع؟

{title}
أخبار الأردن -

 

تهاني روحي


ليس كل ما يهدد أمن المجتمع يُرى بالعين المجردة. فبعضه يبدأ بصمت؛ بضغوط نفسية تتراكم، واكتئاب لا يُشخّص، حتى يتحول مع الوقت إلى عنف أو انهيار أسري أو جريمة كان يمكن منعها لو التفتنا إليها مبكراً.
 

من هذا المنطلق، جاءت الندوة الوطنية التي نظمها المركز الوطني لحقوق الإنسان تحت عنوان “الصحة النفسية والجرائم: أبعاد اجتماعية وقانونية وحقوقية”، كمحاولة جادة لإعادة تعريف مفهوم الأمن المجتمعي في ضوء الصحة النفسية. فتنوع الحضور، الذي جمع ممثلين عن السلطة القضائية والأجهزة الأمنية ووزارة الصحة والنقابات المهنية ومؤسسات المجتمع المدني والإعلام، منح الندوة بعداً مختلفاً، وحمل رسالة واضحة: الصحة النفسية لم تعد شأناً طبياً فحسب، بل قضية كرامة إنسانية وأمن مجتمعي.
ووضع خلدون النسور، نائب رئيس مجلس الأمناء للمركز الوطني، القضية في إطارها الصحيح، حين أكد أن الصحة النفسية ترتبط بالحق في الحياة والصحة والكرامة والعيش الآمن. وشدد على أن الحديث عن العلاقة بين الضغوط النفسية وبعض أنماط العنف لا يهدف إلى تبرير الجريمة أو الانتقاص من سيادة القانون، بل إلى فهم العوامل المؤثرة في السلوك الإنساني، بما يتيح التدخل المبكر ووضع سياسات وقائية أكثر فاعلية.
ومن أكثر جلسات الندوة تأثيراً تلك التي تناولت الصحة النفسية للأطباء، وطرحت سؤالاً عميقاً في مضمونه، من يعتني بمن يعتني بالجميع؟ فالأطباء يعملون لساعات طويلة، ويتخذون قرارات مصيرية تحت ضغط، ويواجهون الألم والفقد يومياً، بينما يتردد كثير منهم في طلب المساعدة بسبب الوصمة الاجتماعية والمهنية. وهو ما لا ينعكس على الطبيب وحده، بل يمتد مباشرة إلى سلامة المرضى وجودة الرعاية الصحية.
ولم تعد هذه المخاطر مجرد انطباعات، إذ يمكن رصدها مبكراً باستخدام أدوات علمية معتمدة، مثل مقياس الاحتراق الوظيفي (Maslach Burnout Inventory) واستبيانات القلق والاكتئاب، بما يتيح التدخل قبل تطور الحالة إلى اضطراب نفسي أكثر تعقيداً.
تناولت الندوة أيضاً العلاقة بين الصحة النفسية والعنف من منظور علمي متوازن. فالجرائم البشعة لا تولد فجأة، بل تسبقها غالباً سنوات من الضغوط النفسية والتنشئة القاسية والإدمان وأفكار السيطرة والعزلة الاجتماعية. ودراسات محلية تناولت أسباب العنف الأسري والمجتمعي في الأردن تُجمع على أن عوامل نفسية، كالشعور بالدونية والعزلة الاجتماعية والعقد النفسية غير المعالجة، تشكل أرضية خصبة لسلوك عدائي، خصوصاً حين تتقاطع مع ضغوط اقتصادية واجتماعية وغياب شبكات دعم أسري وتربوي.
عالمياً، ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني أكثر من مليار شخص حول العالم من اضطرابات نفسية، فيما تشير الدراسات إلى أن الاستثمار في علاجها يعود بعوائد كبيرة على الصحة والإنتاجية. أما في الأردن، فتشير بيانات المركز الوطني للصحة النفسية لعام 2025 إلى أن اضطرابات الفصام والاضطرابات الذهانية تتصدر الحالات التي يتابعها المركز، تليها اضطرابات المزاج والقلق، في ظل شبكة تضم نحو 73 عيادة نفسية موزعة على المحافظات، و458 سريراً بنسب إشغال مرتفعة تعكس تزايد الطلب على هذه الخدمات.
ما يميز هذه الندوة أنها لم تكن فعالية بروتوكولية تنتهي بانتهاء الكلمات، بل نقطة انطلاق لحوار وطني أوسع، تشارك فيه المؤسسات الصحية والقضاء والأجهزة الأمنية والتعليم والإعلام والأسرة. وهذا ما عبّرت عنه بوضوح توصيات المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الإنسان، معالي جمال الشمايلة والتي دعت إلى دمج خدمات الدعم النفسي ضمن الأنظمة الإدارية الرسمية للمؤسسات الصحية. وإطلاق برامج فحص وقائي دوري للكوادر الطبية. وقياس مؤشرات الصحة النفسية ونشرها سنوياً بشفافية.
لقد خرجتُ من هذه الندوة بقناعة راسخة، بأن الاستثمار الحقيقي في الصحة النفسية يجب ان يتضمن سياسة أمنية واقتصادية وتنموية في آن واحد. وأعتقد أن هذه الندوة تستحق أن تكون بداية لمسار وطني طويل؛ لأن المجتمعات التي تستثمر في الصحة النفسية لا تحمي أفرادها فحسب، بل تبني مستقبلاً أكثر استقراراً وقدرة على الوقاية من الجريمة قبل وقوعها.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية