اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

عوض يكتب: تقرير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية الغائب منذ ثلاثة عقود

{title}
أخبار الأردن -

 

أحمد عوض


منذ ما يقارب ثلاثة عقود، لم تقدم الحكومة الأردنية تقريراً دورياً جديداً إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، رغم أن الأردن طرف في العهد الدولي الخاص بهذه الحقوق، ورغم أن تقريره الدوري التالي أصبح مستحقاً منذ سنوات طويلة. ويبدو هذا التأخر لافتاً، خصوصاً أن الأردن حافظ خلال العقود الماضية على حضور نشط في عدد من آليات حقوق الإنسان الدولية، وراكم خبرة مؤسسية في إعداد التقارير الوطنية ومناقشتها أمام الهيئات الأممية.
 

ولا ينبغي النظر إلى هذا التقرير باعتباره مجرد التزام إجرائي أو مراسلة دورية مع لجنة دولية. فإعداده يمثل فرصة وطنية شاملة لمراجعة أوضاع الحقوق المرتبطة مباشرة بحياة المواطنين، وفي مقدمتها الحق في العمل اللائق، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية، والسكن، والغذاء، ومستوى المعيشة الكريم، والمشاركة في الحياة الثقافية والاستفادة من التقدم العلمي.
كما يتيح التقرير للحكومة عرض ما تحقق من إنجازات، وتوضيح الظروف الاقتصادية والمالية والإقليمية التي أثرت في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وبيان الخطوات التي اتخذتها لمعالجة التحديات. ومن شأن ذلك أن يقدم صورة أكثر توازناً عن الأردن، بدلاً من ترك تقييم أوضاعه يعتمد بصورة أساسية على تقارير خارجية أو معلومات متفرقة لا تعكس دائماً مجمل السياق الوطني.
والواقع أن وضع الأردن في مجال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ليس ضعيفاً إلى درجة تبرر التردد في تقديم التقرير. فقد حافظ، رغم محدودية الموارد والأزمات الإقليمية المتلاحقة واستضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، على منظومات واسعة للتعليم والصحة والحماية الاجتماعية. كما طور تشريعات وسياسات في مجالات الضمان الاجتماعي، والعمل، والأشخاص ذوي الإعاقة، وحماية الأسرة، والمساعدات الاجتماعية، ويمتلك مؤسسات عامة وجهازاً إحصائياً قادراً على توفير جانب مهم من البيانات المطلوبة.
هذا لا يعني أن الصورة مثالية. فهناك تحديات حقيقية تتعلق بارتفاع معدلات البطالة، وضعف المشاركة الاقتصادية للنساء، واتساع العمل غير المنظم، وارتفاع تكاليف المعيشة، وعدم كفاية بعض برامج الحماية الاجتماعية، إلى جانب الضغوط التي تفرضها المديونية والسياسات المالية. لكن التقارير الدولية لا تقدم فقط عندما تختفي المشكلات، بل إن وظيفتها الأساسية هي عرض التقدم والتحديات معاً، وفتح حوار مهني حول سبل التحسين.
وقد يؤدي استمرار غياب التقرير إلى إعطاء انطباع دولي بوجود ضعف في متابعة الالتزامات أو تردد في الخضوع للمراجعة، بينما يمكن لتقديمه أن يبعث برسالة معاكسة تماماً: دولة تثق بمؤسساتها، وتعرض إنجازاتها بشفافية، وتعترف بالفجوات، وتلتزم بخطة واضحة لمعالجتها.
المطلوب اليوم أن تعلن الحكومة بدء إعداد التقرير وفق جدول زمني محدد، من خلال لجنة وطنية تضم الوزارات والمؤسسات المختصة، مع إشراك المركز الوطني لحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، والنقابات، والجامعات والخبراء. فعملية الإعداد التشاركية ستجعل التقرير أكثر دقة ومصداقية.
إن تقديم التقرير ليس عبئاً دبلوماسياً، بل فرصة لتعزيز صورة الأردن عالمياً، وتأكيد أن حقوق الإنسان لا تقتصر على الحقوق المدنية والسياسية، بل تشمل أيضاً حق الإنسان في العمل والتعليم والصحة والحماية والعيش الكريم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية