اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الدعجة يكتب: الأردن وسورية: من إدارة تداعيات الحرب إلى بناء الشراكة

{title}
أخبار الأردن -

 

حسن الدعجة


لم تكن العلاقات الأردنية-السورية، في أي مرحلة، مجرد علاقات اعتيادية بين دولتين متجاورتين؛ فالجغرافيا والتاريخ والترابط الاجتماعي والاقتصادي جعلا أمن البلدين متداخلاً إلى حد كبير. وحين اندلعت الأزمة السورية عام 2011، لم تبقَ آثارها داخل الحدود السورية، بل انتقلت تداعياتها إلى الأردن في صورة موجات لجوء، وتراجع للتجارة العابرة، وتصاعد لعمليات التهريب، وتهديدات أمنية، وضغوط على المياه والبنية التحتية والخدمات العامة. وبذلك تحولت الحدود الشمالية للأردن من جسر للتبادل والتواصل إلى خط متقدم لإدارة المخاطر.
 

إلا أن التحولات التي شهدتها سورية منذ نهاية عام 2024 تتيح إعادة صياغة العلاقة على أسس مختلفة. فالمطلوب اليوم ليس العودة إلى ما كانت عليه العلاقات قبل الحرب، وإنما بناء نموذج جديد يقوم على إدراك أن استقرار سورية يمثل عمقاً أمنياً واقتصادياً للأردن، وأن الأردن المستقر والمنفتح على محيطه يشكل بوابة مهمة أمام سورية لاستعادة حضورها العربي والإقليمي. ومن هنا ينبغي الانتقال من سياسة إدارة تداعيات الأزمة إلى إستراتيجية صناعة المصالح المشتركة في مرحلة ما بعد الأزمة.
ولا تعني مرحلة ما بعد الأزمة أن سورية قد تجاوزت جميع التحديات؛ إذ تمر بمرحلة انتقالية دقيقة تتطلب مواصلة تطوير مؤسسات الدولة، وتعزيز سيادة القانون، ودعم مسارات المصالحة الوطنية، وترسيخ الأمن والاستقرار على امتداد أراضيها وحدودها. ومع ذلك، تمتلك سورية مقومات الدولة وإمكانات وطنية ومؤسسية تؤهلها لاستعادة كامل فاعليتها تدريجياً، بما يعزز وحدتها وسيادتها ودورها العربي والإقليمي. والتحدي الأساسي يكمن في حماية المرحلة الانتقالية من التدخلات الخارجية، والمشروعات الانفصالية، والاعتداءات الإسرائيلية، ومنع تحول الجنوب السوري إلى ساحة تنافس إقليمي أو منطقة أمنية عازلة تفرضها قوى من خارج الدولة.
بالنسبة إلى الأردن، يبدأ التحول الإستراتيجي من إعادة تعريف أمن الحدود. فلم يعد كافياً تعزيز المراقبة العسكرية أو إحباط عمليات التهريب؛ لأن الأمن المستدام لا يتحقق على خط الحدود وحده، بل داخل البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة به. فاستقرار درعا والسويداء، وعودة مؤسسات الدولة السورية، وخلق فرص العمل، وفتح التجارة النظامية، كلها عناصر تخدم الأمن الوطني الأردني أكثر من الاكتفاء بمعالجة النتائج الأمنية. لذلك يحتاج البلدان إلى منظومة مشتركة للإنذار المبكر وتبادل المعلومات ومكافحة تهريب المخدرات والأسلحة والإرهاب، بالتوازي مع مشروعات تنموية تربط جنوب سورية بمحافظات المفرق وإربد والرمثا.
اقتصادياً، تمتلك الجغرافيا فرصة لتحويل البلدين إلى حلقة وصل بين الخليج وبلاد الشام وتركيا وأوروبا. فمعبر جابر-نصيب ليس مجرد نقطة حدودية، بل عقدة في ممر إستراتيجي يمكن أن يعيد تنشيط النقل البري والتجارة والخدمات اللوجستية. ويمكن للأردن أن يؤدي دوراً مهماً في إعادة الإعمار السوري عبر خبراته في قطاعات الأدوية والطاقة والتعليم والصحة والخدمات الرقمية والمصارف والنقل، بينما توفر السوق السورية فرصاً للصادرات والاستثمارات الأردنية. كما تستطيع سورية الاستفادة من ميناء العقبة للوصول إلى البحر الأحمر والأسواق الإفريقية والآسيوية.
وقد بدأت ملامح الانتقال من التنسيق الظرفي إلى التعاون المؤسسي بالظهور؛ إذ أصبح مجلس التنسيق الأعلى إطاراً دورياً للتعاون، وشهدت دورته الثانية في نيسان 2026 توقيع تسع اتفاقيات ومذكرات تفاهم شملت قطاعات متعددة. كما ناقش الجانبان في حزيران 2026 إجراءات تسهيل حركة الشاحنات، والمبادلات التجارية، والنقل البري والجوي والسككي، والتعاون الجمركي والمشروعات الإستراتيجية المشتركة. وهذه الخطوات مهمة، لكنها تحتاج إلى جداول زمنية ومؤشرات تنفيذ واضحة حتى لا تبقى الاتفاقيات أسيرة البيروقراطية أو تقلبات الإقليم. 
ويشكل ملف المياه اختباراً جوهرياً لجدية الشراكة. فحوض اليرموك ليس ملفاً فنياً منفصلاً عن السياسة والأمن، بل قضية وجودية في ظل شح المياه والتغير المناخي وتراجع الهطل المطري. وقد مثّل إطلاق المنصة التشغيلية الأردنية-السورية المشتركة للمياه خطوة متقدمة نحو تبادل البيانات والتنسيق الفني والإدارة المستدامة للموارد المشتركة. والمطلوب تطويرها إلى آلية دائمة تشمل مراقبة الآبار والسدود، ومواجهة الاعتداءات على مصادر المياه، وإدارة سنوات الجفاف، وضمان التقاسم العادل بعيداً عن منطق المكاسب الصفرية.
أما عودة اللاجئين، فلا ينبغي التعامل معها بوصفها عملية إدارية لإغلاق ملف، بل مساراً إنسانياً وتنموياً مرتبطاً بالأمن والسكن وفرص العمل والخدمات. وقد عاد أكثر من 196 ألف لاجئ سوري مسجل من الأردن منذ كانون الأول 2024 حتى أواخر أيار 2026، لكن استدامة العودة تتطلب بيئة آمنة وضمانات قانونية ومشروعات لإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات والمساكن ومصادر الدخل. ولذلك يمكن للأردن أن يقود، بالتعاون مع سورية والمنظمات الدولية، مقاربة تحول تمويل اللجوء تدريجياً إلى تمويل التعافي وإعادة الإدماج داخل سورية. 
إن بناء شراكة ما بعد الأزمة يحتاج في النهاية إلى ثلاث ركائز: أمن تعاوني يحمي الحدود من دون أن يحولها إلى حاجز دائم؛ وتكامل اقتصادي يعيد للبلدين موقعهما على طرق التجارة الإقليمية؛ وتنسيق سياسي يحمي وحدة سورية وسيادتها ويرفض الاعتداءات والمشروعات التقسيمية. فإذا نجح البلدان في تحويل الجغرافيا من مصدر للتهديد إلى قاعدة للاعتماد المتبادل، فإن العلاقة الأردنية-السورية يمكن أن تصبح نموذجاً عربياً للانتقال من احتواء الأزمات إلى صناعة الاستقرار. فمستقبل البلدين لا تحدده الحدود الفاصلة بينهما بقدر ما تحدده قدرتهما على بناء فضاء مشترك للأمن والتنمية والسيادة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية