الحسبان يكتب: محاولة أولى لتنظيم العمل المهني
أحمد حمد الحسبان
خطوة مهمة خطتها الحكومة، وتفاعل معها مجلس النواب، للغوص في واحد من أخطر الملفات العالقة منذ عقود طويلة.
فرغم التأكيدات المتراكمة لغالبية الحكومات المتعاقبة على أهمية «إزالة الشيوع» عن العمل المهني، وتنظيمه، شكلًا ومضمونًا، ما زال هذا القطاع الذي لا يستغني عنه أي صاحب منزل، أو متجر أو مركبة بعيدًا عن أي شكل من أشكال التنظيم.
ولتقريب الصورة، يمكن الإشارة إلى ما يحدث في كل لحظة، وفي كل مكان، حيث يضطر صاحب الحاجة إلى إصلاح عطل ميكانيكي في سيارته، أو كهربائي أو معماري بمنزله، أو خلل في أحد الأجهزة المنزلية، فيتولى المهمة ـ أحيانًا شخص لا أحد يعرف عن مستواه المهني، أو مستوى كفاءته، أو علمه بما هو مطلوب. ولا كيف دخل المهنة وأصبح مختصًا بفنونها.
فالغالبية العظمى من العاملين في المهن المطلوبة سواء أكان عملهم ضمن محلات تجارية مرخصة، أو يعملون لحسابهم الخاص، اكتسبوا المهنة ومارسوها من خلال الورشات، وعلى أيدي أشخاص اكتسبوا خبرتهم بنفس الطريقة، وراكموا أخطاء بنفس مستوى الخبرات المكتسبة أو أكثر قليلًا. وقلة منهم أصبحوا خبراء ومتميزين في مجال مهنهم.
فالكثير من هؤلاء الفنيين أطلقوا على أنفسهم أو محلاتهم التي يملكونها أو يعملون بها ألقاب «اختصاص»، وحددوا لأنفسهم أجورًا مرتفعة، مع أن بعضهم يكلفون أطفالًا بسن تقل عن السن المسموح لها دخول مجال العمل بممارسة المهنة. وفي المقابل تراكمت خسائر المعنيين من طالبي الخدمة، وتضررت مصالحهم جراء تدني مستوى جودة العمل.
وبين هذه وتلك ضاعت حقوق، وتاهت مصالح كثيرة بحكم غياب المرجعيات التي يفترض أن تكون معنية بالملف بدءًا من الاعتراف بكفاءة المهني، وتقدير مستواه المهني ودرجته، ومن ثم أجرته.
فلا شهادة ممارسة مهنة، ولا درجة كفاءة، ولا تخصصا، ولا أجور أتعاب، باستثناء ما يتفق بعضهم على أن يكون حدًا أدنى للأجرة، ويتمسك به باقي الممارسين.
الجديد هنا، أن مشروع القانون الذي أقره مجلس النواب أشار إلى تصاريح ممارسة المهنة لبعض الفئات وبخاصة الحاصلين على تدريب في معاهد متخصصة، أو في مراكز تدريب معتمدة. كما أشار إلى بعض الجوانب التنظيمية المهمة، والتي لا ترتقي إلى مستوى ضبط المهنة بشكل كامل.
فالمشروع الجديد لم يتعامل مع مئات الآلاف من المهنيين الذين دخلوا سوق العمل، وأصبحت لهم مراكز قانونية من بينها افتتاح محلات وورشات، وأصبحوا يمارسون عمليات التدريب لآخرين يرغبون بدخول تلك المهن بنفس الطريقة والأسلوب السائد حاليًا، وخارج مظلة القانون الجديد.
وفي ذات السياق، فقد أغفل المشروع الجديد الذي شق طريقه ليصبح قانونًا نافذًا بعد مروره من مجلس الأعيان ونشره في الجريدة الرسمية موشحًا بالإرادة الملكية السامية، مسألة حقوق المتضررين من أي ممارسات تمت وفقًا للآلية النافذة بكل ما بها من ضبابية. ما دفع بالمعنيين بمناقشة الملف لإحالة مصالح المتضررين إلى قوانين أخرى نافذة من بينها قانون العمل وقانون العقوبات وأي قانون آخر من منظومة التشريع الأردنية. مع أنه كان من الممكن أن تفرد نصوص خاصة للتعامل مع خصوصية قانون تنظيم العمل المهني، الذي يتميز باتساع دائرته، وتعدد عناوينه ومجالاته واختصاصاته. ويحتاج إلى سرعة البت بقضاياه وبخاصة ما يتعلق بحقوق المتضررين بشكل عام، والتعويضات بشكل خاص.
ومع التسليم بأن مشروع القانون الجديد يمكن أن يكون بداية لمشروع كامل شامل يغطي الملف بكل عناوينه، فمن المهم جدًا أن تضع الحكومة في اعتبارها إطلاق عملية استماع معمقة تأخذ بعين الاعتبار ملف العمل المهني بكل تفاصيله، مع التركيز على من دخلوا المهنة من الوافدين بحصر أعدادهم وأسمائهم ومهنهم، وحصولهم على شهادات وتصاريح عمل أسوة بالمهنيين الأردنيين.
وأن تكون هناك جهة مرجعية تساعد الأردنيين على رفع سويتهم المهنية أولًا، وتوسيع دائرتهم ثانيًا، وتوفير كل متطلبات ضبط المهن وفقًا لأسس وضوابط جديدة تتوافق مع متطلبات المرحلة.







