الساكت يكتب: الملك فتح الأبواب وعلى القطاع الخاص أن يحوّلها إلى استثمارات وصادرات
موسى الساكت
لا يمكن النظر إلى الزيارات الملكية الخارجية باعتبارها مجرد نشاط دبلوماسي أو بروتوكولي، بل هي أدوات اقتصادية إستراتيجية تفتح أمام الأردن أسواقًا جديدة، وتؤسس لشراكات استثمارية، وتعزز الثقة الدولية بالاقتصاد الوطني. وعندما يقود جلالة الملك بنفسه هذه الجهود، فإنه يمنح القطاع الخاص فرصة استثنائية للدخول إلى أسواق يصعب اختراقها بالوسائل التقليدية.
لقد أثبتت التجربة أن رأس المال يبحث أولًا عن الاستقرار والثقة، وهما عنصران يمتلكهما الأردن بفضل المكانة الدولية التي يحظى بها جلالة الملك والعلاقات المتينة التي بناها مع مختلف دول العالم. ومن هنا، فإن نجاح أيّ زيارة ملكية يجب ألا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو البيانات الصادرة، بل بحجم الاستثمارات التي تُستقطب، والصادرات التي ترتفع، والشركات الأردنية التي تنجح في دخول أسواق جديدة.
اليوم، يقف القطاع الخاص أمام مسؤولية كبيرة. فالفرص التي تُفتح على أعلى المستويات السياسية تحتاج إلى سرعة في التحرك، واستعداد مؤسسي، ورؤية تصديرية واضحة، وقدرة على بناء شراكات طويلة الأمد. ولم يعد مقبولًا أن تبقى هذه الفرص حبيسة الاجتماعات أو الصور التذكارية، بل يجب أن تتحول إلى مشاريع إنتاجية، وعقود تجارية، وفرص عمل للأردنيين.
كما أن نجاح الدبلوماسية الاقتصادية يتطلب تكاملًا حقيقيًا بين الحكومة والقطاع الخاص، بحيث يتم تحديد القطاعات ذات الأولوية، وإعداد ملفات استثمارية احترافية، واختيار الوفود الاقتصادية وفق معايير الكفاءة والتمثيل الحقيقي للقطاعات المستهدفة، وليس وفق اعتبارات أخرى لا تخدم المصلحة الوطنية.
ومن المؤسف أن تتكرر الملاحظات ذاتها فيما يتعلق بتنسيق مشاركة القطاع الخاص، وخصوصًا القطاع الصناعي، في الزيارات الملكية المهمة. فقد سبقتها زيارة جلالة الملك إلى فيتنام، واليوم يتكرر المشهد مرة أخرى، حيث إن العديد من أعضاء مجالس إدارة غرف الصناعة لم يكونوا على علم مسبق بتفاصيل الزيارة أو آليات المشاركة فيها، رغم مسؤولياتهم التمثيلية للقطاع الصناعي.
والأهم من ذلك، أن اختيار الصناعيين المشاركين في الملتقيات الاقتصادية لم يستند، في نظر الكثيرين، إلى معايير واضحة من الشفافية والتعميم وإتاحة الفرصة لجميع القطاعات الصناعية. وهذا يحرم قطاعات صناعية واعدة تمتلك منتجات تنافسية وفرصًا حقيقية في هذه الأسواق من المشاركة والاستفادة، ويضعف الأثر الاقتصادي المتوقع من هذه الزيارات.
فحين يبذل جلالة الملك هذا الجهد الكبير في فتح الأسواق واستقطاب الفرص، يصبح من واجب جميع المؤسسات المعنية أن ترتقي إلى مستوى هذا الجهد، وأن تضمن تمثيلًا عادلًا وشفافًا وفاعلًا للقطاع الخاص، بما يحقق المصلحة الوطنية ويعظم العائد الاقتصادي للأردن.
لقد فتح جلالة الملك الأبواب، وبقي على القطاع الخاص ومؤسساته أن يحسنوا تنظيم الدخول إليها، وأن يحولوا هذه الفرص إلى استثمارات منتجة وصادرات متنامية، لأن النجاح الحقيقي لا يبدأ عند افتتاح الأبواب، بل عند القدرة على العبور منها بكفاءة واقتدار.







