كراجة يكتب: أيهما أخطر: انهيار السلطة الفلسطينية أم بقاؤها؟
سائد كراجة
يتعامل الأردن مع السلطة الفلسطينية وفق محددين اثنين؛ الأول هو اعتماد سياسة النأي بالنفس عن التدخل في الشأن الفلسطيني الداخلي، تجنبًا لعقدة الشك الفلسطيني التاريخية بدوافع الأردن، والثاني هو دعم دور السلطة التاريخي للعمل على تحقيق الدولة الفلسطينية، التي في قيامها مصلحة أردنية عليا.
وفي ضوء أداء السلطة الحالي العقيم، فإن السؤال القائم اليوم، من زاوية مصالح الأردن، ليس: هل تنهار السلطة؟ بل: ماذا لو بقيت السلطة على حالها؟ فليس كل استقرار يستحق الدفاع عنه.
ثبت، بالوجه الواقعي، أن إسرائيل تستفيد من الأداء العقيم للسلطة لإنجاز مشروعها بضم الضفة الغربية واقعًا وقانونًا. وهي، لو أرادت إسقاطها غدًا، فإن مبرراتها - ولو لم تعد تهتم بوجود مبررات - جاهزة، وهي: فساد السلطة وعدم فاعليتها، كما تقول علنًا في المحافل المحلية والدولية.
ولكن إسرائيل غير مضطرة الآن لذلك، في ضوء أن السلطة تحمل عنها عبء إدارة الملف السكاني مباشرة، فإن وجود إطار فلسطيني بصلاحيات إدارة محلية يخدم مشروعها بالضم القانوني والفعلي على الأرض، وما نراه اليوم سيطرة إسرائيلية تتوسع، وإدارة فلسطينية سياسية تتقلص، والعالم يعتاد على ذلك.
أزمة السلطة اليوم ليست أزمة مالية أو إدارية فقط، بل تتجاوز ذلك إلى أزمة وظيفية. هذه السلطة أمست اليوم «سلطة وظيفية»، لا فرق إن وعَت ذلك أم لم تعِه. فبعد أن أُنشئت كمشروع مؤقت لخمس 5 سنوات لقيادة مشروع وطني لإنجاز الاعتراف بحق تقرير المصير للفلسطينيين وإقامة دولتهم، باتت اليوم أداة تستخدمها إسرائيل لتنفيذ مشروع الضم للضفة الغربية.
لا نقلل من أهمية الدور الخدماتي للسلطة، ولكن دورها الأساسي هو سياسي، وقد جُرِّدت منه تمامًا، وللأسف تصالحت بل تماهت مع هذا التجريد، وباتت تعيش أزمة حكم داخلي بين شخصيات لا قبول لها في الشارع الفلسطيني.
لا يمكن للأردن الاستمرار بسياسة «التأدب» وعدم التدخل أمام هذا التحول في دور السلطة. فهذا لم يعد شأنًا فلسطينيًا داخليًا، بل هو إزميل هدم يومي يضرب في أساس الدولة الأردنية. فإن أي مساهمة، ضمنية أو صريحة، بوعي أو بغير وعي، في مشروع إسرائيل لضم الضفة، تُعد تهديدًا وجوديًا للأردن، فالخطر خطران: خطر الفوضى عند انهيار السلطة، وخطر استمرار أدائها العقيم.
هل يُعقل أن السلطة، في ظرفها الذي تمر به، غير قادرة على إطلاق مبادرة لتوحيد الفصائل الفلسطينية، أو على الأقل التلويح بمبادرات سياسية ترفع كلفة إجراءات إسرائيل؟!
لا ندعو إلى إسقاط السلطة، فالفوضى ليست مشروعًا سياسيًا، والفراغ السياسي والإداري لا يبني أوطانًا. ما تحتاجه السلطة، وعلى نحو عاجل، هو طرح بديل وطني وحدوي بين الفصائل، كمشروع بكين مثلًا، أو أي مشروع وطني آخر يحافظ على الدور السياسي للسلطة. ندرك الظروف العدوانية الهمجية الصهيونية ضد وجود السلطة وفاعليتها، ولكن تاريخ نضال الشعب الفلسطيني دليل سياسي وتاريخي على أنه قادر، بقيادة فاعلة، على إيجاد الحل والتمسك بحقوقه السياسية، وأولها حق تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
وهم أن المؤسسات وبقاءها يعني حماية القضية الفلسطينية انتهى. فالمؤسسات، إن تخلت أو جُرِّدت من معناها السياسي، تصبح، كما هي اليوم، عبئًا على القضية. أوسلو سقط كطريق لتأمين حقوق الفلسطينيين، وانتهى بنا المطاف إلى قبول أي شيء، بشرط البقاء في المقاطعة. ألهذا ناضل الفلسطيني منذ 100 عام؟!
موقف الأردن، شعبًا وحكومةً وقيادةً، من دعم القضية الفلسطينية ثابت، ولكن الأردن، في جهوده من أجل تكريس حقوق الشعب الفلسطيني، ومن أجل الدفاع عن وجوده وأرضه ودستوره، يحتاج إلى شريك فلسطيني قادر على إعادة إنتاج مشروع وطني يوقف تآكل الأرض قبل أن يصبح الحديث عن التهجير أمر عين. جنابك.







