التل يكتب: ردّاً على الإعلامي الكردي: "الشورت" ليس مقياس التقدّم، والأخلاق ليست ترفاً
د. مصطفى التل
اطّلعت على منشور الإعلامي حسن الكردي الذي هاجم فيه المطالبات النيابية بضبط اللباس في الأماكن العامة، واصفاً إياها بالقضية التافهة ومهاجماً مَن وصفهم بالقادمين من القرى والأرياف، ومحذراً من أن الأردن سيصبح "أضحوكة" إن تمسك بذوقه العام وقيمه.
مع احترامي للرأي الآخر إلا أن هذا الطرح يُشكّل سابقة خطيرة ليس لأنه يدعو إلى الحرية الشخصية فذاك حق مكفول، بل لأنه أسّس لخطاب طبقي وجغرافي، يرفع من شأن المدينة ويحط من شأن الريف والبادية، متناسياً أن الدولة الأردنية قامت على التكامل بين جميع مكوناتها لا على الصراع الطبقي.
ما يُثار اليوم حول اللباس اللائق ليس مجرد نقاش حول قطعة ملابس وقماش ، بل هو معركة مثارة من تيار ليببر الي لإعادة إنتاج الدولة الأردنية وفق النموذج الغربي, هذا التيار الليبرالي الذي يتسلح اليوم بمنصات إعلامية وتشريعية وتنفيذية، يعمل على تفريغ الدولة من مضمونها الأخلاقي والحضاري ، وتحويل النظام العام إلى مجرد حافظ للأمن المادي، وإسقاط دور الدولة في حماية الآداب العامة، بحجة "الحرية الفردية" و"حيادية الدولة".
هذه الفلسفة بالضبط هي التي جُرّبت في دول جارة كالعراق ومصر وسوريا وليبيا، فكانت النتيجة دماراً وخراباً وانقساماً , فهل نريد تكرار التجربة ذاتها في الأردن؟!
ثم أيّ منطق يقول إن المطالبة بالأخلاق تافهة والسماح باستباحة القيم هو التطوّر؟!
الاعلامي الكردي يسأل النواب: "هل تمكنتم من حلّ الفقر والبطالة حتى تذهبوا لقضية الشورت؟! " وكأن الدفاع عن الأخلاق يعطل الدفاع عن الاقتصاد! , هذا خلط متعمد، فمعالجة الفقر لا تعني التخلي عننظام الآداب العامة ، ومحاربة الفساد لا تعني الموافقة على انحلال القيم.
الدولة الأردنية بتاريخها الممتد لأكثر من مئة عام هي دولة قانون ومؤسسات، تحافظ على مقدرات المواطن، وتحمي ذوقه العام، وتصون كرامته في آن واحد.
أما التهديد بأن الأردن سيصبح "أضحوكة" إن تمسك بقيمه فهو قراءة خاطئة للعالم,
العالم لا يحتقر مجتمعاً يتمسك بدينه وأخلاقه، بل يحتقر مجتمعاً يتخلى عن هويته ليرضي موجة عابرة.
الأردن كان وسيبقى دولةً محترمةً دولياً ليس لأنه يقلد الغرب، بل لأنه يمتلك ثقله الأخلاقي ودوره الإقليمي وتوازنه الاجتماعي.
الدولة الأردنية ليست بحاجة إلى من يُعيد إنتاجها من جديد وفقمنظومات مستوردة, الدولة الأردنية بقيادة الملك تسير في طريق الإصلاح والتحديث ولكن بثوابت ثابتة، لا تتنازل عن الدين، ولا تفرط بالأخلاق، ولا تستورد صراعات الأمم الأخرى.
من يريد الحرية فليمارسها في حدود القانون والآداب العامة، ومن يعتقد أن الانفتاح يعني استباحة القيم، فعليه أن يعيد النظر في مفهومه للانفتاح.
أما الأضحوكة الحقيقية فهي أن يتحول نقاشنا الوطني إلى صراع بين "مدينة" و"ريف" بينما الوطن يتسع للجميع، والأخلاق هي عنوان عزتنا لا مصدر خجلنا.



