أبو دلو يكتب: الاستنزاف الشامل والمعنوي للإقليم
معاذ وليد أبو دلو
لم يعد الشرق الأوسط يعيش أزمات متفرقة أو نزاعات محدودة، بل دخل مرحلة يمكن وصفها بأنها حرب استنزاف إقليمية متعددة الأبعاد، تجاوزت حدود المواجهة العسكرية التقليدية لتطال الاقتصاد، والأمن، والاستقرار السياسي، والحالة النفسية للمجتمعات ومواطنيها، بل وحتى قواعد القانون الدولي التي أُنشئت أصلاً لمنع انزلاق العالم إلى مثل هذه الصراعات.
فالحروب الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الصواريخ التي تطلق أو المواقع العسكرية التي تدمر، وإنما بقدرة أطراف النزاع على إنهاك خصومها واستنزاف محيطهم الإقليمي بأقل كلفة ممكنة. ولم يعد الانتصار العسكري وحده هو الهدف، بل أصبح إضعاف البيئة السياسية والاقتصادية والمعنوية للدول أحد أهم أدوات إدارة الصراع.
ومنذ اتساع دائرة المواجهة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى، لم تعد تداعيات الحرب مقتصرة على أطرافها المباشرين، بل امتدت إلى دول المنطقة بأسرها، التي أصبحت تتحمل كلفة صراع لم تكن طرفاً في إشعاله، لكنها تجد نفسها مضطرة للتعامل مع انعكاساته الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
ومن الناحية القانونية، فإن اتساع رقعة العمليات العسكرية يفرض تحديات متزايدة أمام منظومة القانون الدولي واتفاقياته والمجتمع الدولي الضامن، وفي مقدمتها ميثاق الأمم المتحدة، الذي يقوم على حظر استخدام القوة إلا في أضيق الحدود، واحترام سيادة الدول، وعدم تعريض المدنيين والأعيان المدنية للخطر، كما يضع القانون الدولي الإنساني جميع أطراف النزاع أمام التزام دائم باحترام مبادئ التمييز والتناسب والضرورة العسكرية وحماية المدنيين والأعيان المدنية، وهي مبادئ تبدو أكثر هشاشة كلما اتسعت دائرة الحرب وتشابكت ساحاتها بالإضافة لميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية.
إلا أن أخطر مظاهر هذه المرحلة لا يكمن في حجم الخسائر العسكرية فحسب، وإنما في الاستنزاف المعنوي، وهو أحد أكثر أشكال الحروب تأثيراً واستدامة، فالمواطن الذي يعيش في ظل صفارات الإنذار، وإغلاق الأجواء، واضطراب حركة السفر، والخوف من اتساع دائرة القتال، وحالة عدم الاستقرار يتعرض لضغط نفسي مستمر، حتى وإن لم تسقط على مدينته قذيفة واحدة، فالشعور بعدم اليقين والأمان أصبح بحد ذاته أحد أسلحة الحرب الحديثة.
ولعل المملكة الأردنية الهاشمية تقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة؛ فهي، رغم اتباعها سياسة واضحة تقوم على حماية أمنها الوطني وسيادتها وعدم الانخراط في النزاع، إلا أنها تأثرت بصورة مباشرة بالبيئة الإقليمية المضطربة، فقد انعكست التطورات الأمنية على قطاعات حيوية، وفي مقدمتها السياحة، ولا سيما في مدينة العقبة، كما ارتفعت كلف التأمين والنقل، وتأثرت حركة الاقتصاد وعجلة الاستثمار، إلى جانب ما يعيشه المواطن والمقيم من قلق مشروع تجاه مستقبل المنطقة واستقرارها.
ولا يختلف المشهد كثيراً في دول الخليج العربي الشقيقة، حيث تواجه المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت، والبحرين تحديات متزايدة تتعلق بحماية المنشآت الحيوية، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على استقرار اقتصاداتها في ظل تصاعد المخاطر الأمنية، فهذه الدول، وإن لم تكن جميعها أطرافاً مباشرة في المواجهة، إلا أنها أصبحت جزءاً من دائرة التأثر الإستراتيجي، بما يفرض عليها أعباءً أمنية واقتصادية وعسكرية متصاعدة.
كما أن التهديدات التي تطال الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، تتجاوز البعد الإقليمي لتصبح قضية تمس الأمن الاقتصادي العالمي، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تؤديه هذه الممرات في حركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، وأي اضطراب فيها لا ينعكس على المنطقة وحدها، بل يمتد أثره إلى الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة دولياً.
وإلى جانب الحرب العسكرية، تتصاعد حرب أخرى لا تقل خطورة، وهي الحرب الإعلامية والنفسية، حيث أصبحت المعلومات، والإشاعات، والصور، والمقاطع المصورة، أدوات تستخدم للتأثير في الرأي العام وإضعاف الثقة بالمؤسسات وإرهاق واستنزاف المجتمعات نفسياً.
وهذا ما يجعل الاستنزاف المعنوي سلاحاً طويل الأمد، قد تستمر آثاره سنوات حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
إن أخطر ما في هذه المرحلة أن المنطقة قد تدخل في حالة استنزاف مزمن على كافة الصعد، لا غالب فيها ولا مغلوب، وإنما خسائر متراكمة تطال الجميع. فكل يوم يطول فيه أمد الصراع يعني مزيداً من الإنهاك للاقتصادات والمجتمعات، واستنزافاً للقدرات العسكرية، وتراجعاً للاستثمار والتنمية، واتساعاً لحالة القلق المجتمعي، بما يهدد الأمن الإقليمي ويقوّض فرص التنمية والاستقرار.
ولذلك، فإن الحاجة اليوم ليست إلى إدارة الحرب بقدر ما هي إلى إدارة السلام والاستقرار ووقف اطلاق النار. فإعادة الاعتبار للدبلوماسية، والالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي، وتعزيز دور الهيئات الأممية والدولية، وأهمها الأمم المتحدة في منع اتساع رقعة النزاع، لم تعد خيارات سياسية فحسب، بل أصبحت ضرورة قانونية وسياسية وأمنية لحماية المنطقة والعالم من صراع مفتوح لا يعرف حدوداً، ولا يقتصر أثره على ساحات القتال، بل يمتد إلى الإنسان ذاته، ليصبح الاستنزاف المعنوي أخطر من الاستنزاف العسكري، لأن إعادة بناء الحجر وزراعة الشجر قد تكون ممكنة، أما إعادة بناء الشعور بالأمن والاستقرار والثقة، فتحتاج إلى حالة من التعافي لسنوات طويلة.







