دعاء الزيود يكتب: ما لم يقله الطراونة، قاله وجهه
دعاء الزيود
لم أكتب منذ حين، ولم أنطق حرفاً في هذا الفضاء الضاج، لأني كنتُ أرقب من بعيد، كما يرقب الطير من عليائه، ما يحدث تحت أجنحة هذا السراب الذي نسميه سياسة.
أمس، اجتمع الميثاق الوطني، اجتمعوا في ردهات الثقافة ليُعقدوا مؤتمرهم العام. وما إن رأيتُ المشهد حتى تذكّرت قول الجواهري حين هجا طراطير السياسة:
تشيَّعي تسنَّني، تَهوَّدي تَنصَّري، تكرَّدي تَعرَّبي... تعقَّلي تسدَّري. نعم، هي طراطرة سياسية تتبدل أشكالها، ولكن محتواها واحد: صراع خفي، وتزكية مبطنة، وتناحر مخفي.
في ذلك المؤتمر، سمعنا كلمة "التزكية" تتردد كالنغمة الشجية، فانتُخب الأمين العام الجديد، المهندس حديثة الخريشا، بالتزكية. وانتُخب رئيس المجلس المركزي أسامة امسيح، بالتزكية. لا منافس، لا ديمقراطية داخلية، إجماع عجيب، كأنما سُلخت عن القوم إرادتهم فلبسوا ثوب الرضا.
وهنا، تتجلى العلة الكبرى. فمن هو حديثة الخريشا؟ هو رجل دولة، ونائب سابق، وهو الأهم والأخطر في المعادلة: وزير دولة للشؤون السياسية والبرلمانية سابقاً. هو الرجل الذي كان في يوم من الأيام "الجهة المشرفة" على الأحزاب، والسياسة التي تدير دفة الحزب. فأي مفارقة تلك التي تجعل من "المُشرف" أميناً عاماً للحزب؟ وأي تحول هذا الذي يدمج بين حزب "الميثاق" وحكومة الدولة في جسد واحد؟أحسب أن فهم هذه المعادلة هو مفتاح السر، ومفتاح قراءة الوجه الذي رأيته في قبة البرلمان اليوم.
أتحدث عن إبراهيم الطراونة. لم أتحدث عنه لأني أعلم ما يخبئه ضميره، ولكنني تحدثت عنه لأني رأيت وجهه. وجه رجل يعرف قدره، ويدرك أن الحزب الذي ينتمي إليه، والذي تتزعم كتلته النيابية — الأكبر بحجم واحد وعشرين مقعدا — قد ضاقت به الرحاب، أو ضاقت به الروح فيه.
في ذلك المؤتمر، رأيت وجه الطراونة جامداً لا تتحرك فيه ملامح الفرح ولم يرَ أحد له صورة يبتسم فيها مع الأمين العام الجديد، ولا هنيئاً بارقاً في قصة الفيسبوك. كان متكئًا، ذراعاه متكتفتان، كأنه قلعة مغلقة الأبواب في وجه المدعوين. وفي قبة البرلمان، كانت الصورة أشد سكون؛ ينظر إلى زميله، الذي وضع يده على كتفه يطمئنه، كأنما يسمع منه ولا يسمع. نظرته حادة، لا تلتفت إلى أحد.
السياسي الذي لا يحسن الصمت، يكون صراخه مكتوم. وهذا الرجل، يعرف كيف يشفر صمته ليقرأه من في قلبه بصيرة.
إنه الرجل الذي قال بوضوح مُرعِب: "الوزراء من ميثاق 'بطلوا' ولا يجوز أن ينضم أحدهم للحزب 'عشان يضبط حاله'". تصريح كان موجها، بلا شك، نحو مؤسس الحزب وأمينه العام السابق محمد المومني الذي هجر الحزب إلى الحكومة. هذا التصريح يكشف لنا عن نفسية الطراونة الممتعضة من هذا "التحالف" الخفي بين الحزب والحكومة، وهو ما تحقق اليوم بتزكية الوزير السابق الخريشة ليكون الأمين العام.
إنه الرجل الذي قال في سبتمبر الماضي: "الظروف أكبر من الاختلاف على موقع"، حينما ترك طموحه لرئاسة مجلس النواب، ورشح غيره. وهكذا، نجد أنفسنا أمام رجل رأى الحزب الذي ينتمي إليه يسير نحو مصير لا يرضيه. رأى الحزب يتحول من كيان مستقل إلى امتداد للدولة، ورأى نفسه، رغم كتلته النيابية الضخمة، مهمشاً في القرار. ورأى كل المناصب توزع بالتزكية، صفقة مبرمة دون أن يسأل، ودون أن يشارك.
لغة الجسد، هي اللغة الوحيدة التي لا تعرف الكذب.
ولغة الطراونة أمسٍ كانت تقول، بوضوح الجواهري:
يا غادرا إن رمت تسألنـــــــــي أجيبك من أنــــــــــــــــــــا
فأنا العربي سيف عزمــــه لا ما أنثنــــــــــــــــــــــــى
أريد أذكركم بأننا نعيش في زمن الطراطير.
إبراهيم الطراونة لم يتكلم أمس واليوم. لكنه قال الكثير.







