نهلا عبدالقادر المومني تكتب: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. القصة ما وراء النص
د.نهلا عبدالقادر المومني
كان الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أول وثيقة دولية تصاغ؛ لتكرس حقوق الإنسان وحرياته في صك مكتوب يتضمن الحد الأدنى الذي يتوجب أن يتمتع به الأفراد، دونما اعتبار للزمان أو المكان، فهي تنطلق من مبدأ العالمية التي لا تعترف بالعرق أو الدين أو الأصل وغير ذلك من أدوات التمييز السائدة.
يبدو الإعلان وثيقة عادية لقارئها، ولكن ما وراءه قصة صياغة أخذت جهدا وجدلا كبيرا؛ فكيف سيصاغ إعلان عالمي يرضي الدول كافة، وفي الوقت ذاته لا يتضمن أي إشارات أيديولوجية أو فكرية أو عقائدية أو أي إشارات أخرى؛ حتى يكون إعلانا جامعا وتوافقيا بين دول العالم.
نقاشات معمقة خاضها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مع ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة آنذاك بين شد وجذب، أما ما كان أكثر شيء جدلا هو صياغة المادة الأولى منه؛ فهي المادة التي ستضع الفلسفة العامة وحجر الأساس والمبادئ الكلية للإعلان، وستعكس في الوقت ذاته جوهر مضامينه وقيمته وما يسعى إليه؛ لذا وضعت مقترحات عدة وصيغت أطر مختلفة ترجو أن تنال الرضا؛ لتمثل انطلاقة الإعلان وحجر الفلاسفة الخاص به.
في خضم هذا الجدل الدائر، كان مقرر لجنة حقوق الإنسان- وهي اللجنة التي أنيط بها إعداد أول وثيقة دولية في مجال حقوق الإنسان وهي الإعلان- الدكتور شارل مالك، العربي اللبناني والدبلوماسي والمفكر، وقبل هذا وذاك أستاذ الفلسفة، والذي لعب دورا محوريا في إدارة دفة صياغة الإعلان، خاصة في مواده المفصلية التي ستشكل نهجا ومسارا قادما في القانون الدولي لحقوق الإنسان.
لم تكن المادة الأولى من الإعلان ببعيدة عن هذه المفاصل الحيوية، وإدراكا من الدكتور شارك مالك لمحوريتها؛ أراد لها أن تكون جامعة لمبادئ أساسية هي في صلب حقيقة الإنسان وفطرته السليمة وكرامته الإنسانية، أهمها مبدأ المساواة والحرية وتمييزه إيجابا عن كافة المخلوقات الأخرى؛ وذلك بامتلاكه الضمير الذي يمثل الوعي الأخلاقي، وقد كانت إحدى العبارات الملهمة التي عرضت آنذاك للقياس عليها واستلهام ملامحها، مقولة عمر بن الخطاب الشهيرة: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
ليأتي نص المادة الأولى من الإعلان العالمي مستندا إلى مضامين وفلسفة هذه المقولة، حيث جاء فيها: «يولد جميع الناس أحرارا، وقد وهبوا عقلا وضميرا وعليهم أن يعامل بعضهم البعض بروح الإخاء».
في الواقع كان للدكتور شارل مالك حضور علمي وفلسفي ومنهجي عميق في أروقة لجنة حقوق الإنسان، حضور استطاع من خلاله ترسيخ مبدأ فطرية حقوق الإنسان وعدم اعتبارها منحة من أي جهة كانت، وتجذير مبدأ المساواة بوصفه ضرورة لازمة جاء الإعلان كاشفا له، لا منشئا لأطره.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يكن مجرد وثيقة عادية، لقد كان النقلة النوعية التي قننت القانون الدولي لحقوق الإنسان، أي جعلته قانونا مكتوبا، يخضع لحد أدنى من المعايير وتتسع هوامش حقوق الأفراد وحرياتهم لتصبح قضية تتطلب النقاش على المستوى الوطني والإقليمي والدولي.
ما كشفته هذه الوثيقة من دور لعبه الفيلسوف شارل مالك في صياغته، وإدارة دفة الحوار نحو ثوابت إنسانية مستلهمة من منظومات فكرية تحمل فكرا متزنا وتحترم الإنسان وكينونته، هذه التجربة تجعلنا ندرك كم من الضرورة بمكان أن تكون المنظومة العربية حاضرة بقوة في الأطر الدولية التي تقوم بصياغة القرارات أو الاتفاقيات العالمية؛ فهذا الوجود إذا ما كان مدروسا ومنهجيا وقويا أيضا قد يصنع فارقا إنسانيا طويل الأمد.







