اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المجالي يكتب: عندما يتحالف عملاقا التعدين.. يبدأ فصل جديد في الاستثمار الأردني

{title}
أخبار الأردن -

 

نضال المجالي


ليس من الغريب أن يجتمع قطبا التعدين في الأردن، شركة البوتاس العربية وشركة مناجم الفوسفات الأردنية، على مشروع واحد بهذا الحجم والطموح، لذلك فإن الاتفاقية التي أُعلنت أخيراً لإنشاء مجمع صناعي جديد ليست مجرد استثمار جديد، بل يمكن النظر إليها بوصفها بداية مرحلة مختلفة في تاريخ الصناعة الوطنية، مرحلة تنتقل فيها الشراكة من المنافسة في الأسواق العالمية إلى التكامل في صناعة قيمة مضافة تليق بما يمتلكه الأردن من موارد وخبرات.
 

هذا المشروع، الذي سيقام في الشيدية كأساس والعقبة كتوسع باستثمارات تقارب المليار دولار، لا يقاس بأرقامه فقط، بل بما يحمله من رسائل اقتصادية، فهو يؤكد أن الأردن ما زال قادراً على إنتاج مشاريع صناعية كبرى، وأن الثقة بالاقتصاد الوطني لا تزال تجد من يترجمها إلى استثمارات حقيقية، وأن قطاع التعدين، الذي شكل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد، ما يزال يمتلك القدرة على قيادة مرحلة جديدة من النمو والتشغيل وتعظيم القيمة المضافة، وأكثر ما يهمني أنه استثمار دون أن أقرأ اسم شريك أجنبي حوله.
والحديث عن البوتاس والفوسفات ليس حديثاً عن شركتين عاديتين، نحن أمام مؤسستين صنعتا اسماً عالمياً للأردن في أسواق التعدين والأسمدة، وأثبتتا حضورهما بين كبار المنتجين على مستوى العالم، والأهم من ذلك أن أثرهما لم يبق محصوراً في المؤشرات المالية أو الأرباح السنوية، بل امتد إلى المجتمع الأردني كله.
يكاد لا يخلو بيت أردني من قصة ترتبط بإحدى الشركتين؛ موظف بنى مستقبله فيهما، أو أسرة تعتمد على دخل أحد أبنائها العاملين فيهما، أو طالب استفاد منحة، أو مستشفى أو مدرسة أو طريق أو مركز شبابي أقيم بدعم من برامج المسؤولية الاجتماعية، ولذلك فإن البوتاس والفوسفات لم تكونا مجرد شركتي تعدين، بل هما شريكان حقيقيان في التنمية الوطنية، وحاضرتان في معظم محافظات المملكة، إما بفرصة عمل، أو بمبادرة تنموية، أو بمشروع ترك أثراً ملموساً في حياة الناس.
ومن هنا، ومن واجبي كما أشير كثيراً إلى بعض المفاهيم الإدارية القاصرة في مجالات محددة، يستوجب أن أشير وأكتب بالصورة الجميلة لنماذج أخرى إن تحققت، فهذا التحالف الصناعي يستحق كل الدعم، فالأردن بحاجة إلى المزيد من المشاريع التي تقوم على التكامل بين الشركات الوطنية الكبرى، لا إلى الاكتفاء بتصدير المواد الخام، فكل مصنع جديد يعني قيمة مضافة أعلى، وفرص عمل أكثر، وصادرات أقوى، واقتصاداً أكثر قدرة على مواجهة التقلبات.
لكن في المقابل، فإن ضخامة المشروع تعني أيضاً تضاعف حجم المسؤولية، فالاستثمار الكبير يجب أن يرافقه التزام أكبر بالبيئة، وحرص أشد على السلامة العامة، وهذا ليس مطلباً إضافياً، بل جزء أصيل من نجاح أي مشروع حديث، فالناس تريد التنمية، لكنها تريدها آمنة، ومستدامة، وتحترم الإنسان والبيئة، وتتعلم من أي تجارب أو حوادث سابقة حتى لا تتكرر.
ولعل ما قامت به شركة كيمياكو، التابعة لشركة البوتاس العربية، عندما وقعت مع وزارة البيئة وسلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة أول مشروع متخصص لخفض الانبعاثات الكربونية، يقدم نموذجاً عملياً للاتجاه الذي ينبغي أن تسير فيه الصناعة الأردنية، فالاستثمار اليوم لم يعد يقاس فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضاً بحجم الأثر البيئي الإيجابي، وبقدرة الشركات على المواءمة بين النمو الاقتصادي والاستدامة.
والرسالة التي ينبغي أن تصل إلى قطبي التعدين الأردني واضحة وبكل محبة: استمروا في التوسع، وواصلوا الاستثمار، واصنعوا للأردن مزيداً من قصص النجاح، لكن اجعلوا البيئة والسلامة العامة في صدارة كل قرار وكل مشروع، فبهذا فقط يكتمل النجاح، وبهذا فقط تتحول المشاريع الكبرى إلى إرث وطني يفتخر به الجميع.
إن ما بدأ اليوم قد يكون بالفعل أكبر من مجرد مجمع صناعي جديد، إنه فرصة لإطلاق نموذج أردني متقدم يجمع بين الاستثمار الضخم، والصناعة المتطورة، والمسؤولية المجتمعية، والالتزام البيئي، وإذا نجح هذا النموذج، وأجزم بنجاحه، فإن المستفيد لن يكون البوتاس أو الفوسفات وحدهما، بل الأردن كله.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية