اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

الطويقات يكتب ..... الجنرال حين يتكلم المجهول

{title}
أخبار الأردن -

 


الكاتب الدكتور أجمل الطويقات

"ليس أخطر على الأوطان أن يرتفع صوت ناقد مخلص لوطنه، وإنما أن يجد الفاسدون في الصمت ملاذًا آمنًا".

منذ عرف الإنسان الكلمة، ظل الرمز أحد أكثر أدوات الأدب والسياسة تأثيرًا؛ فهو لا يقول كل شيء، لكنه يوقظ في العقل ما تعجز عنه العبارة المباشرة. لذلك يبقى الإيحاء أحيانًا أبلغ من التصريح، ويغدو المجهول أكثر قدرة على إثارة الأسئلة من المعلوم.
من هذه الزاوية العميقة بدأ حساب "الجنرال المفتش" (General Inspector) بروزه التدريجي المكثف على منصات التواصل الاجتماعي (تويتر/X وفيسبوك) منذ أواخر عام 2022، وتصاعد نشاطه بشكل لافت وقوي، ليتحول إلى ظاهرة رأي عام تشغل كثيرا من المهتمين بالشأن، وتحوّل اسمه المستعار "الجنرال" خلال السنوات الأخيرة إلى ظاهرة سياسية وإعلامية استثنائية. وربما لم يحمل أي صفة رسمية، أو لم يجلس خلف مكتب حكومي، أو لم يعتلِ منصة إعلامية، ومع ذلك استطاع أن يصبح حديث المجالس، وأن تنتظر النخب السياسية في صالونات عمّان ما سيكتبه، كما كانت الأجيال السابقة تنتظر افتتاحيات كبار الكتّاب.
وهنا لا يعنينا الرجل بقدر ما تعنينا الظاهرة؛ لأن الأشخاص يرحلون أو يفقدون الاهتمام لأي سبب كان، أما الظواهر فتستحق أن تُقرأ، وأن يُبحث في أسباب ظهورها واستمرارها.
أول ما يلفت الانتباه هو اختياره لقب "الجنرال". فهو لقب يوحي بالحزم والخبرة والاطلاع، ويمنح القارئ، منذ الوهلة الأولى، انطباعًا بأن صاحبه قريب من دوائر القرار، أو مطّلع على ما يدور خلف الكواليس. وربما لم يكن الرجل عسكريًا، وربما كان، لكن القيمة لم تكن في الرتبة، بل في الدلالة النفسية التي يحملها الاسم، وفي الذكاء الذي جعل اللقب يسبق صاحبه إلى أذهان الناس.

ثم جاء قراره بالبقاء في الظل...
ولعل كثيرين عدّوا ذلك هروبًا من المواجهة، بينما يبدو أنه كان جزءًا من استراتيجيته. فالكتابة في الشأن العام، ولا سيما حين تقترب من ملفات الفساد، أو تنتقد أداء بعض المسؤولين، ليست نزهة فكرية. وقد يكون الاسم المستعار وسيلة لحماية صاحبه، لكنه، في الوقت نفسه، حرّر الفكرة من الشخص، فلم يعد القارئ يسأل بالدرجة الأولى: من كتب؟ بل أصبح يسأل: ماذا كتب؟
وفي بيئتنا العربية، كثيرًا ما نحاكم الكاتب قبل أن نقرأ مقاله؛ فننظر إلى اسمه، ومنصبه، وخلفيته الفكرية أو الإيديولوجية، ثم نصدر أحكامنا قبل أن ننتهي من السطر الأول. أما "الجنرال"، فقد سحب هذه الورقة من يد الجميع، وجعل الفكرة وحدها تقف في ساحة النقاش.
ولعل المفارقة الأجمل أن الغموض لم يكن نقطة ضعف، بل أصبح جزءًا من قوة الظاهرة. فالإنسان بطبعه ينجذب إلى المجهول، لكن الفضول وحده لا يصنع حضورًا يستمر سنوات. والذي صنع الظاهرة هو أن كثيرًا من القراء وجدوا في كتاباته لغة مختلفة؛ لغة لا تعتمد الصراخ، بل الحجة، ولا تكتفي بالاتهام، بل تستند، في كثير من الأحيان، إلى وثائق وتحليلات دفعت المتابع إلى التوقف، سواء اتفق معها أم اختلف.
ولم يكن غريبًا، بعد ذلك، أن تتحول منشوراته إلى مادة للنقاش في المجالس، وأن تتناولها وسائل إعلام ومقالات رأي بالتحليل، وأن يصبح اسمه المستعار واحدًا من أكثر الأسماء تداولًا في الشأن العام الأردني، بحسب ما يراه بعض المهتمين.
ولعل أكثر ما يُحسب لهذه الظاهرة أنها أعادت الاعتبار لقيمة الوثيقة. فلم يعد كثير من المتابعين يكتفون بخبر مُرسَل أو رواية متداولة، بل أصبحوا يسألون: أين الدليل؟ وأين المستند؟ وهذا، في حد ذاته، تطور إيجابي في ثقافة المتلقي، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع كل ما يُنشر.
وليس غريبًا أن يختلف الناس حول "الجنرال"، فكل ظاهرة مؤثرة لها مؤيدوها ومعارضوها. لكن اللافت أن الفريقين اتفقا، من حيث لا يشعران، على أمر واحد: انتظار ما سيكتب. وهذه شهادة لا تصنعها الدعاية، بل يصنعها التأثير.
ولعل أكثر ما يثير التأمل أن بعض الخطابات الرسمية ما زالت تخاطب المواطن بأدوات الأمس، بينما يعيش المواطن في عالم تتدفق فيه الأخبار والتحليلات على مدار الساعة. لقد تغيّر الزمن، وأصبح احترام عقل المواطن، وسرعة المعلومة، ووضوحها، عناصر أساسية في بناء الثقة، لا ترفًا يمكن تأجيله.
غير أن ذلك كله لا يعني أن تتحول الثقة بأي حساب أو كاتب إلى يقين مطلق، فالحقيقة لا تُقاس بالأسماء، معروفة كانت أم مستعارة، وإنما تُقاس بالدليل، ونزاهة القصد، وصحة المعلومة.
لقد نجح "الجنرال" في أن يفرض اسمه المستعار على المشهد، لكنه، في الوقت نفسه، كشف عن حاجة المجتمع إلى خطاب يقترب من أسئلته، ويحترم وعيه، ويخاطبه بلغة لا تستخف بعقله.
وليست القضية أن نعرف من هو "الجنرال"، فربما لو عرف الناس اسمه الحقيقي لفقدت الظاهرة شيئًا من بريقها، ولتحول الجدل إلى الشخص بدلًا من الفكرة.
أما الرسالة التي ينبغي أن تبقى، فهي أن الأردن، بقيادته الهاشمية، ومؤسساته، وشعبه، أقوى من الفساد، وأن معركة حماية الوطن لا تُختزل في حساب على منصة إلكترونية، ولا في مقال لكاتب، بل هي مسؤولية دولة ومجتمع، تتكامل فيها الأدوار، ويعلو فيها القانون على الأشخاص.
فليس كل من أكثر الحديث عن الوطن كان أوفى له، وليس كل من رفع شعار النزاهة كان أهلًا لحمله.
إن الفساد لا يخشى كثرة الخطباء بقدر ما يخشى يقظة الدولة، ووعي المجتمع، وعدالة القانون. فإذا اجتمعت هذه الثلاثة، سقطت الأقنعة، وعاد الوطن هو الاسم الأكبر الذي لا يعلو عليه اسم.
ونحن، أبناء هذا الوطن، نقف صفًا واحدًا خلف قيادتنا الرشيدة، ومع حكومتنا، ومؤسسات دولتنا، وأجهزتنا الأمنية، والمخلصين المحبين لوطنهم، في معركة اجتثاث الفساد، وتجفيف منابعه، ومحاسبة كل من يعبث بالمال العام أو يستغل موقعه، مهما علا منصبه، أو ارتفع صوته، أو اعتلى المنابر متغنيًا بحب الوطن. وقد صدق الشاعر حين قال:
وما كل من ركب الجياد يسوقها
ولا كل من قرأ الكتاب فقيهًا

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية