شبلي يكتب : الصراع في الشرق الأوسط (2025-2026) الأسباب، التطورات، التداعيات
الدكتور سعد شاكر شبلي
أيام عصيبة تمر بها منطقة الشرق الأوسط حيث تشهد أوضاعاً بالغة التعقيد في العلاقات الدولية، وبظروف استثنائية نتيجة تدهور الوضع العسكري والأمني، الناجم عن الصدام العسكري غير المسبوق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة مقابلة، مع مساعدات فنية وعسكرية ولوجستية من الصين وروسيا. وقد تعرضت الدول العربية المطلة على الخليج العربي والأردن لهجمات متكررة من قبل إيران، تحت مبرر أنها تستضيف قواعد عسكرية أمريكية.
لقد أفرز هذا الصراع عن حالة من عدم الاستقرار الأمني والعسكري في دول المنطقة، وتداخلت في تحليله مفاهيم سياسية واجتماعية وفلسفية عديدة، مما جعل التمييز بين العديد من المفاهيم المستخدمة في الشؤون السياسية يبدو ضبابياً وغير مدرك من قبل كثير من المهتمين، ومن بين تلك المفاهيم يبرز مفهوم الاستراتيجية ومفهوم السياسة ومفهوم المشاريع الإقليمية، هذه المفاهيم التي يعد إداراكها أمراً بالغ الأهمية لفهم طبيعة أي صراع وتداعياته.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم قراءة علمية معمقة للمفاهيم الأساسية، وتحليل أسباب الأزمة التي ازداد أوارها خلال عامي 2025 - 2026 ، واستعراض تطورات الأحداث الجارية في إقليم الشرق الأوسط جراء هذه الأزمة، ورصد التداعيات الاقتصادية المترتبة عن ما خلفته من آثار على اقتصاديات دول المنطقة، مع استشراف السيناريوهات المستقبلية الممكنة.
أولاً: الإطار المفاهيمي
- مفهوم السياسة (Policy): السياسة هي النشاط المتعلق بتحديد الأهداف العامة للمجتمع أو الدولة، وترجمة المصالح الوطنية إلى توجهات وقرارات. ويعبر هذا المفهوم في سياق العلاقات الدولية، عن السياسة الخارجية أو الرؤية الشاملة للدولة تجاه العالم الخارجي، والتي تشمل تحديد الأولويات، وبناء التحالفات، وإدارة الأزمات. كما تمثل السياسة البوصلة التي تحدد الاتجاه العام في الدولة .
- مفهوم الاستراتيجية (Strategy): تُعرَّف الاستراتيجية بأنها "نظرية استخدام الاشتباك للوصول إلى هدف الحرب" كما عرّفها كلاوزفيتز. وهي أداة تنفيذية تترجم السياسة إلى أفعال، عبر حشد الوسائل وتوزيع الأدوات لتحقيق الأهداف المرسومة. وتتميز الاستراتيجية عن السياسة بأنها شرح لفكرة السياسة عند التنفيذ. وهناك استراتيجية عسكرية، واستراتيجية سياسية، واستراتيجية اقتصادية. فإذا كانت السياسة تحدد "ماذا نريد"، فإن الاستراتيجية تحدد "كيف نحققه".
- مفهوم المشروع (Project): المشروع هو "مجهود يتم بهدف تحقيق إنجاز محدد لمرة واحدة، ذو طبيعة خاصة، لا تتكرر بنفس الصورة". في السياق الجيوسياسي، يُشير المشروع إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الإقليمي وفق مصالح دولة أو تحالف معين. المشروع أوسع من الاستراتيجية وأطول أمداً، إذ يتضمن رؤية مستقبلية لإعادة هندسة المنطقة.
- مفهوم البراغماتية (Pragmatism): البراغماتية تمثل "عصب السياسة الخارجية، إذ تنبني على حساب دقيق للمكاسب والخسائر والتكاليف، في التعاطي مع الأزمات الدولية". وهي نهج يضع المصلحة الوطنية فوق الاعتبارات الأيديولوجية، ويتسم بالمرونة والتكيف مع المتغيرات. في سياق الصراع القائم، وتعكس البراغماتية قدرة الأطراف على تعديل مواقفها وفقاً لتطورات الميدان.
الخلاصة المفاهيمية: السياسة تحدد الغايات، والاستراتيجية ترسم الطريق، والمشروع يضع الرؤية المستقبلية، بينما البراغماتية توفّر المرونة في التنفيذ.
ثانياً: أسباب الأزمة الحالية في الشرق الأوسط – الجذور والخلفيات
- الخلفية التاريخية المباشرة: تعود جذور الأزمة الحالية إلى الهجوم الذي شنته إسرائيل على إيران في يونيو 2025، واستمر 12 يوماً (13-24 يونيو)، وانضمت إليه لفترة وجيزة طائرات حربية أمريكية استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية. أدى هذا الهجوم إلى تدهور البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير، لكنه لم يحقق الأهداف الاستراتيجية المنشودة.
- فشل المسار الدبلوماسي: ظل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، منذ الهجوم الإسرائيلي في يونيو 2025، يأمل عودة إيران إلى المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي والقبول بشروطه للتوصل إلى اتفاق معها. وكانت شروط واشنطن تشمل تنازل إيران الكامل عن حقها في تخصيب اليورانيوم (مبدأ صفر تخصيب)، وتسليم قرابة 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.ومع استمرار رفض طهران لهذه الشروط، وبعد أشهر من الحشد العسكري والتصريحات التصعيدية من جانب الرئيس ترامب، انهار المسار الدبلوماسي.
- الهدف الاستراتيجي الأمريكي – إسقاط النظام: على الرغم من أن ترامب زعم في كلمة مسجلة بُثت بعد ساعات من بدء الهجوم أن هدف العملية هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، فإنه دعا الإيرانيين إلى استغلال "فرصة قد لا تتكرر لأجيال" لتولي زمام الأمور في بلادهم. وهذا يشير بوضوح إلى أن الهدف النهائي للعملية هو إسقاط النظام في طهران.
- العامل الإسرائيلي: تنظر إسرائيل إلى إيران بوصفها التهديد الوجودي الأكبر، وفكرة مهاجمة الجمهورية الإسلامية ليست حديثة العهد، بل طرحها نتنياهو منذ أكثر من خمسة عشر عاماً. وقد سعت إسرائيل إلى تهيئة الظروف اللازمة للإطاحة بالنظام الإيراني، مع غياب دعم إقليمي كامل من الحلفاء، إذ ترفض دول الخليج المشاركة الفاعلة في العمليات العسكرية.
- العامل الروسي–الصيني: يمثل الدعم الروسي–الصيني لإيران عاملاً محفزاً للأزمة، إذ يمنح طهران قدرة على الصمود في مواجهة الضغوط الأمريكية. فقد وقعت روسيا وإيران معاهدة شراكة استراتيجية شاملة في يناير 2025، بينما تواصل الصين استيراد النفط الإيراني وتعزيز التعاون الدفاعي مع طهران.
- الاحتجاجات الداخلية في إيران: شهدت إيران في يناير 2026 احتجاجات متواصلة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، وأسفرت المواجهات عن سقوط ضحايا. وقد عززت هذه الاحتجاجات الداخلية القناعة الأمريكية بأن النظام الإيراني يعاني من هشاشة داخلية قد تجعل الضربة العسكرية أكثر فاعلية.
ثالثاً: أطراف الصراع – الأدوار والمصالح
- الولايات المتحدة الأمريكية: تتبنى الولايات المتحدة استراتيجية تقوم على "صنع الصراعات وتصدير الأزمات خاصة في الشرق الأوسط؛ من أجل بسط النفوذ الأمريكي وإحكام القبضة الأمنية بالمنطقة". وتكشف وثيقة الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 عن تحول عميق في نظرة واشنطن إلى الشرق الأوسط، إذ لم يعد الهدف "إعادة تشكيل المنطقة"، بل التخفيف من العبء وإعادة التركيز على التنافس مع الصين.
في 28 فبراير 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً واسع النطاق على إيران حمل اسم "الغضب الملحمي" أمريكياً و"زئير الأسد" إسرائيلياً.أسفرت الضربة الافتتاحية عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية.
- إيران: يقوم المشروع الإيراني في المنطقة على مبدأ "منع التهديدات قبل وصولها إلى الحدود الإيرانية"، وهو توجه تشكل بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وتعزز خلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) التي رسخت قناعة بأن الأمن لا يتحقق داخل الحدود فقط، بل من خلال بناء عمق استراتيجي خارجها.
ويرتكز المشروع الإيراني على عدة مرتكزات رئيسية:
- بناء شبكة نفوذ إقليمية تمتد عبر دول وقوى غير حكومية.
- تبني استراتيجية الردع غير المتماثل عبر الوكلاء والصواريخ والطائرات المسيّرة.
- مواجهة الوجود الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.
- السعي للاعتراف بإيران كقوة إقليمية كبرى.
بعكس التبسيط الذي يختزل المشروع الإيراني في بعده الديني، فهو مشروع جيوسياسي يسعى إلى تحقيق النفوذ والردع والاعتراف الدولي.
بعد الهجوم على طهران، ردّت إيران بهجمات استخدمت فيها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة في اتجاه إسرائيل وقواعد أميركية ومنشآت اقتصادية في دول الخليج العربية والأردن وقبرص، في محاولة لإشعال المنطقة ورفع التكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها.
- إسرائيل: يرتكز المشروع الإسرائيلي على "معضلة الأمن الوجودي" التي صاحبت تأسيس الدولة عام 1948. يقوم على عدة أسس استراتيجية:
- الصين وروسيا: يجمع موقف الصين وروسيا تقارباً واضحاً، إذ تتبنى كل منهما سياسة تقوم على "دعم سياسي واقتصادي وتقني تحت عتبة الحرب" لتقوية صمود طهران، مع تجنب المواجهة المباشرة مع واشنطن.
- الحفاظ على التفوق العسكري النوعي في المنطقة.
- منع ظهور قوة إقليمية منافسة.
- توسيع نطاق الاندماج الإقليمي.
- ضمان الدعم الغربي، وخاصة الأمريكي.
الصين تدير حضوراً لوجستياً في الشرق الأوسط عبر استراتيجية بعيدة المدى، وتعتمد على ثلاث ركائز: اقتصادياً، ترسيخ مبادرة الحزام والطريق وزيادة الاستثمارات وتأمين إمدادات الطاقة؛ دبلوماسياً، إطلاق مبادرات ووساطات؛ أمنياً وعسكرياً، تعميق التعاون الدفاعي ونقل التكنولوجيا العسكرية.
روسيا تربطها بإيران معاهدة شراكة استراتيجية شاملة وقعت في يناير 2025.
- تركيا: تولي تركيا أهمية مركزية لمنطقة الشرق الأوسط باعتبارها العمق الاستراتيجي لأمنها القومي. تسعى أنقرة عبر مزيج من الدبلوماسية والقوة إلى تعزيز نفوذها، مستفيدة من تراجع إيران وتحقيق توازنات جديدة. تتركز أولويات تركيا في ثلاثة محاور: إنجاح التحول السوري، تحقيق اختراق في القضية الفلسطينية، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع دول المنطقة.
- الاتحاد الأوروبي: يعكس الموقف الأوروبي حالة من الحيرة والعجز عن صياغة موقف موحد تجاه الصراع. انقسمت الدول الأوروبية بشأن التعامل مع الحرب: ففرنسا دعت إلى "خفض التصعيد" محذرة من انفجار واسع، بينما بدت ألمانيا أكثر تحيزاً للموقف الإسرائيلي.
- دول الخليج العربي ودول عربية أخرى : تعرضت دول الخليج لهجمات صاروخية ومسيرات، حيث استهدفت إيران منشآت طاقة ومطارات وموانئ. أظهرت دول الخليج كفاءة عالية في التصدي لغالبية الهجمات بفضل استثماراتها الدفاعية، لكن الحرب هزت توازنات الخليج وكشفت هشاشة المنظومة الأمنية والاعتماد المفرط على الحلفاء.
- إغلاق المضيق: في 20 يونيو 2026، أعلنت "القيادة العسكرية المشتركة العليا في إيران" إغلاق المضيق أمام حركة السفن. ورغم ذلك، أظهرت بيانات ملاحية استمرار حركة الملاحة التجارية، مما يشير إلى أن الإغلاق كان جزئياً أو محاولة للضغط السياسي.
كما تعرضت المملكة الأردنية الهاشمية والعراق لهجمات إيرانية متكررة، بينما شهد لبنان انخراط حزب الله في الصراع إلى جانب إيران.
رابعاً: تطورات الأحداث – التسلسل الزمني
المرحلة الأولى: حرب الاثني عشر يوماً (يونيو 2025): شنت إسرائيل حرباً على إيران استمرت 12 يوماً (13-24 يونيو 2025)، وانضمت إليها لفترة وجيزة طائرات حربية أمريكية استهدفت ثلاثة مواقع نووية إيرانية. أدت هذه الحرب إلى تدهور البرنامج النووي الإيراني بشكل كبير.
المرحلة الثانية: التصعيد الدبلوماسي والتهديدات (أواخر 2025 – أوائل 2026)
- نوفمبر 2025: نشر الرئيس ترامب استراتيجية الأمن القومي لعام 2025.
- 6 فبراير 2026: استضافت مسقط الجولة الأولى من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.
- 11 يونيو 2025: هددت إيران باستهداف القواعد الأمريكية في حال اندلاع نزاع.
المرحلة الثالثة: العملية العسكرية المشتركة (28 فبراير 2026): في 28 فبراير 2026، انطلق هجوم عسكري واسع ومشترك من الولايات المتحدة وإسرائيل استهدف مواقع داخل إيران. أسفرت الضربة عن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية. ضربت العملية عشرات الأهداف في طهران وقم وأصفهان وكرمانشاه وكرج وتبريز.
المرحلة الرابعة: الرد الإيراني (مارس – أبريل 2026): ردت إيران بعملية "الوعد الصادق 4"، عبر رشقات صاروخية واسعة استهدفت المدن الإسرائيلية ودول المنطقة التي تضم قوات أمريكية. كما أغلقت إيران مضيق هرمز، مما نقل المواجهة إلى حرب إقليمية ذات تداعيات عالمية.
المرحلة الخامسة: وقف إطلاق النار الهش (أبريل – يونيو 2026): أُعلن عن وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً، وصفته مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي بأنه "نبأ سار قد يدفع جميع الأطراف" نحو التهدئة. لكن هشاشة الاتفاق أثارت الشكوك حول إمكانية تحوله إلى سلام مستدام.
المرحلة السادسة: انهيار الهدنة والعودة إلى التصعيد (يوليو 2026): أعلن الرئيس ترامب في يوليو 2026 أن وقف إطلاق النار مع إيران "انتهى"، متوعداً بجولة جديدة من الهجمات انتقاماً لهجمات إيرانية على ناقلات نفط في مضيق هرمز. بعد ساعات، قصفت الولايات المتحدة إيران لليلة الثانية على التوالي.
خامساً: أزمة مضيق هرمز – القلب النابض للصراع: يشكل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يومياً، أي ما يعادل خُمس شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم، البؤرة المركزية للتصعيد العسكري الراهن.
ومع تصاعد الهجمات، أعاد الحرس الثوري الإيراني تأكيد إغلاق المضيق، مشترطاً فتحه بانتهاء التدخل العسكري الأمريكي. وفي تصعيد لافت، أعلن الحرس الثوري أنه "لا مسارات ملاحية جديدة في هرمز دون تنسيق مع إيران"، مشيراً إلى أنها ستفرض رسوم عبور على السفن المارة.
- الاضطراب في الإمدادات: تسبب الإغلاق في أكبر اضطراب في الإمدادات بتاريخ سوق النفط العالمية، وفقاً لوصف وكالة الطاقة الدولية. وقد قدرت الوكالة أن خسائر الإمدادات النفطية العالمية بلغت نحو 13 مليون برميل يومياً، بينما تعرضت 84 منشأة طاقة في المنطقة لأضرار، منها 34 صنفت على أنها متضررة بشدة أو مدمرة.
- التهديد بمضيق باب المندب: في تطور استراتيجي خطير، نقلت وكالة رويترز عن مصادر أن طهران طلبت من الحوثيين في اليمن الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب في البحر الأحمر، إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً على البنية التحتية للكهرباء في إيران. وهذا يعني أن الصراع قد ينتقل من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، مما يوسع رقعة المواجهة لتهديد إمدادات الطاقة العالمية عبر ممرين بحريين استراتيجيين في وقت واحد.
سادساً: الضربات الأمريكية على البنى التحتية الإيرانية
شهد النصف الأول من يوليو 2026 توسعاً كبيراً في نطاق الضربات الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، متجاوزة الأهداف الساحلية إلى العمق الاستراتيجي.
- استهداف الجزر والمواقع البحرية: ركزت القيادة المركزية الأمريكية في المرحلة الأولى على الجزر المطلة على مضيق هرمز، مستهدفة مخازن صواريخ كروز البحرية الإيرانية في جزر طنب الكبرى، قشم، هنجام، جاسك، سيريك، بندر عباس، كيش، وأبو موسى.
- التوسع نحو البنى اللوجستية والاقتصادية: مع استمرار التصعيد، اتسع النطاق الجغرافي للغارات وارتفع عدد الأهداف اليومية تدريجياً. لم تعد الضربات تقتصر على الأهداف العسكرية المباشرة، بل شملت قواعد بحرية، وأحواض صيانة السفن والغواصات، ومستودعات الطائرات المسيرة.
وفي تطور نوعي، اقتربت العمليات الأمريكية من جزيرة خرج، التي تُعد الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. وكان الرئيس ترامب قد لوح سابقاً بإمكانية الاستيلاء عليها كورقة ضغط اقتصادية على طهران.
- التهديد بضرب البنية التحتية الحيوية: في تصعيد لافت، هدد الرئيس ترامب "بمحو" محطات الطاقة الكهربائية الإيرانية إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز بالكامل، محذراً من استهداف جسور ومحطات توليد الكهرباء. وقد وصفت وزارة الخارجية الإيرانية هذه الهجمات بأنها "جرائم حرب" تستهدف البنية التحتية المدنية.
سابعاً: الرد الإيراني – هجمات موسعة على دول عديدة
في مقابل الضربات الأمريكية، وسعت إيران نطاق هجماتها لتشمل سبع دول عربية، هي: الإمارات، الكويت، البحرين، السعودية، قطر، الأردن، وعمان، إضافة إلى العراق.
- موجة الهجمات في يوليو 2026: شهد 12 يوليو 2026 تصعيداً حاداً، حيث تبادلت القوات الأمريكية والإيرانية هجمات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيرة، استهدفت إيران خلالها منشآت أمريكية في دول عدة بمنطقة الخليج. وامتدت الضربات إلى قطر، التي كانت وسيطاً في محادثات وقف إطلاق النار ولم تتعرض لهجوم منذ أبريل. كما أعلنت الإمارات أن دفاعاتها الجوية تصدت لصواريخ وطائرات مسيرة من إيران للمرة الأولى منذ أوائل مايو.
وفي 15 يوليو 2026، أفادت تقارير بأن إيران استهدفت الكويت، بينما شنت الولايات المتحدة جولة أخرى من الهجمات. كما جددت إيران هجماتها على البحرين وقطر والإمارات والكويت في الأيام التالية.
- الاستهداف المباشر للأردن والعراق: لم تقتصر الهجمات على دول الخليج، بل طالت المملكة الأردنية الهاشمية التي تعرضت لهجمات إيرانية متكررة، بالإضافة إلى العراق الذي شهد استهدافاً إيرانياً بالصواريخ والمسيرات.
ثامناً: التداعيات الاقتصادية – أزمة الطاقة العالمية
- ارتفاع أسعار النفط والغاز: شهدت أسواق الطاقة العالمية صدمة غير مسبوقة منذ عقود. فقد قفز خام برنت المعيار العالمي لأسعار النفط إلى نحو 120 دولاراً للبرميل خلال الأسبوع الأول من الحرب، قبل أن يستقر قرب 100 دولار. وارتفعت الأسعار من مستويات ما قبل الحرب التي كانت تدور حول 72 دولاراً للبرميل، مسجلة مكاسب تراكمية تتجاوز (40 %.)
وتوقع البنك الدولي أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 94 دولاراً للبرميل في النصف الثانيس من عام 2026، وهو أعلى بنحو (36 % ) من مستويات عام 2025.
أما أسعار وقود الطائرات فقد تضاعفت أكثر من مرة خلال الأزمة، لترتفع فوق 210 دولار للبرميل. كما شهدت أسواق الغاز الطبيعي الأوروبية صدمة مماثلة، حيث قفزت عقود TTF الهولندية من نحو 31 يورو إلى حوالي 62 يورو لكل ميغاواط/ساعة.
- التضخم العالمي: انتقلت صدمة الطاقة بسرعة إلى بقية الاقتصاد، مما أدى إلى زيادة تكاليف النقل، وأسعار الكهرباء، وتكاليف الإنتاج الصناعي، وأسعار المدخلات الزراعية، وخاصة الأسمدة.
وتشير توقعات البنك الدولي إلى ارتفاع التضخم العالمي إلى (4 % ) في عام 2026، مقابل 3.3% في عام 2025. وفي سيناريو أكثر شدة يتضمن اضطرابات مالية مطولة، قد يرتفع التضخم إلى ( 4.4 %.) وحذر صندوق النقد الدولي من أنه في ظل سيناريو متشدد، قد يتجاوز التضخم العالمي (6%) بحلول عام 2027.
- التضخم في الولايات المتحدة: سجل التضخم الأمريكي ارتفاعاً إلى (3.8 %) في أبريل 2026، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023، مدفوعاً بارتفاع أسعار البنزين والمواد الغذائية والإيجارات. وفي مايو، ارتفع التضخم السنوي إلى (- 4.2 % ) وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من ثلاث سنوات. وأدى ارتفاع الأسعار إلى تراجع الأجور الحقيقية للمرة الأولى منذ عام 2023.
- تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي: في أبريل 2026، خفض صندوق النقد الدولي تقديره لمعدل النمو العالمي في عام 2026 من (3.5%) إلى (3.1 % ) بسبب الحرب. ومع استمرار التصعيد في يوليو، خفض الصندوق التقدير مرة أخرى إلى (3.0 %.)
- التكلفة المالية للحرب: قدّر مشروع "تكاليف الحرب" بجامعة براون أن الحرب كلفت 103.3 مليار دولار خلال الـ 120 يوماً الأولى، حتى أواخر يونيو 2026. وشملت هذه التقديرات التكاليف المرتبطة مباشرة بالحرب، بما في ذلك العمليات والأفراد والمعدات. وفي مايو، طلبت وزارة الدفاع الأمريكية 67 مليار دولار كتمويل إضافي للحرب.
- تكاليف إعادة الإعمار: قدرت شركة الاستشارات "ريستاد إنرجي" تكاليف إصلاح البنية التحتية للطاقة المتضررة بما يتراوح بين (34 -58) مليار دولار. وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن بعض المنشآت قد تحتاج إلى سنتين على الأقل للعودة إلى الإنتاج الكامل حتى في حال إعادة فتح المضيق بأمان.
- التأثير على قطاع الطيران: تسببت اضطرابات مضيق هرمز في ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع صناعة الطيران العالمية إلى خفض توقعات أرباحها لعام 2026 إلى النصف تقريباً.
- الآثار غير المتكافئة: حذر صندوق النقد الدولي من أن تأثير الحرب غير متكافئ، إذ يؤثر بشكل أكبر على البلدان المستوردة للطاقة من البلدان المصدرة لها، وعلى البلدان الفقيرة من البلدان الغنية. وتتحمل البلدان التي تستورد كميات كبيرة من الطاقة في آسيا وأوروبا العبء الأكبر لارتفاع تكاليف الوقود. وتواجه الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط في إفريقيا وآسيا صعوبة متزايدة في الحصول على الإمدادات التي تحتاجها، حتى بأسعار مرتفعة.
- تحذير المؤسسات الدولية: في بيان مشترك صدر في مايو 2026، حذر رؤساء وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية من أن الحرب تولد "آثاراً كبيرة وغير متماثلة على إمدادات الطاقة، والأمن الغذائي، والنشاط الاقتصادي عبر البلدان والمناطق".
وصفت وكالة الطاقة الدولية الصراع بأنه "أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ"، محذرة من أن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية للطاقة قد يكون لها عواقب دائمة حتى بعد انحسار الأعمال العدائية.
خاتمة
يمثل الصراع في الشرق الأوسط (2025-2026) أكثر من مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى. إنه صراع مشاريع واستراتيجيات تتقاطع فيها مصالح قوى عالمية وإقليمية متعددة، في منطقة تشكل قلب التوازنات الجيوسياسية العالمية.
- المشروع الإيراني يسعى إلى تأكيد الذات كقوة إقليمية عبر شبكة نفوذ وردع غير متماثل.
- المشروع الإسرائيلي يركز على التفوق العسكري ومنع أي قوة منافسة.
- المشروع الأمريكي يمر بتحول من الهيمنة المباشرة إلى تخفيف العبء، مع هدف استراتيجي يتمثل في إسقاط النظام الإيراني. أما المشروع التركي فيسعى إلى تعزيز النفوذ في بيئة إقليمية متغيرة.
أما الصين وروسيا، فتتبنيان استراتيجية الدعم تحت عتبة الحرب، مستفيدتين من إطالة أمد الصراع لاستنزاف الولايات المتحدة وتعزيز نفوذهما. والاتحاد الأوروبي يقف حائراً بين الضغوط الأمريكية ومخاوف التداعيات الأمنية والاقتصادية.
النتائج المتحققة حتى الآن
- إضعاف النظام الإيراني: أسفرت الضربات عن اغتيال المرشد الأعلى وعدد كبير من القيادات، مما أضعف البنية القيادية الإيرانية بشكل كبير.
- تدمير البنية التحتية: تعرضت 84 منشأة طاقة في المنطقة لأضرار، مع تكاليف إعادة إعمار تقدر بين 34 و58 مليار دولار.
- اضطراب إمدادات الطاقة: خسائر يومية في الإمدادات النفطية بلغت نحو 13 مليون برميل يومياً.
- ارتفاع التضخم العالمي: مع توقعات بارتفاع التضخم إلى 4% أو أكثر.
- تباطؤ النمو الاقتصادي: خفض تقديرات النمو العالمي إلى 3%.
- إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية: مع تراجع الثقة بالولايات المتحدة وتزايد القلق من روسيا والصين.
الدروس المستفادة
في هذا السياق المعقد، يظل الفهم الدقيق للمفاهيم الأساسية – السياسة، الاستراتيجية، المشروع، البراغماتية – ضرورياً لقراءة المشهد وتحليل تفاعلاته. فالصراع الحالي ليس مجرد أزمة عابرة، بل محطة فاصلة في تاريخ المنطقة، قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات لعقود قادمة.
وتبقى السمة الأبرز للمرحلة المقبلة هي عدم اليقين: فلا اتفاق سلام مستدام في الأفق القريب، ولا حرب شاملة يمكن احتواؤها بسهولة. المنطقة مقبلة على فترة طويلة من التوازن الهش، حيث تُستخدم القوة لإدارة التهديدات بدلاً من حلها. ومع استمرار حالة عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسية، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع القوى الإقليمية والدولية احتواء هذا التصعيد قبل أن يتحول إلى حرب شاملة تهدد استقرار العالم بأسره؟





