اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

البراري يكتب: مسارات الحرب ومآلاتها

{title}
أخبار الأردن -

هزاع البراري

أسئلة كثيرة انشطارية بطبيعتها تدور حول مسارات هذه الحرب، وشكلها، وعوامل التصعيد والتهدئة، والوسطاء والشركاء، لكن الأسئلة الأكثر أهمية هي تلك المتعلقة بمآلات الحرب النهائية. ولعل مصدر هذه الأسئلة، وغيرها، هو حالة الالتباس والغموض التي تحيط بكثير من مفاصل هذه الحرب، وما نتج عنها من مفاوضات غير منتجة، ومعارك غير حاسمة، وتبادل للتصعيد، وتنازع شعارات النصر لدى كل طرف. إنها، كما تبدو للوهلة الأولى، حرب بلا ملامح واضحة على الأرض، وبلا نتائج في الأفق القريب، فما الذي يجري حقيقة؟

الحقيقة الماثلة أن هناك استعصاءً عسكريًا واستعصاءً تفاوضيًا؛ فالحرب، حتى اللحظة، لم تحقق لأي طرف غايته بحدودها الدنيا، ولم تستطع المفاوضات تعويض النقص في الحالة العسكرية. وهنا تحديدًا أعتقد أن كلا الطرفين أدرك أهمية الزمن في تحقيق الفارق، باعتبار أن كل طرف ينظر إلى عامل الزمن من منظوره ورؤيته وحساباته.

إيران تعول على الكلفة العالية للحرب مع مرور الوقت، وحجم الإضرار بالاقتصاد العالمي، وإدخال العالم في أزمة، أساسها اضطراب أسواق الطاقة، وتقطع سلاسل التوريد، وانكماش مشاريع التنمية الكبرى، التي يدفع ثمنها الشعوب الغربية، وعلى رأسها الأمريكيون، مع مضاعفة الأوجاع الأوروبية مع اشتداد الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيراتها على القارة العجوز. في حين يرى الأمريكيون أن إطالة أمد المواجهة، وتصاعد بنك أهدافها، مع الحصار البحري، وإضعاف التواصل الجوي والبري، وخنق الاقتصاد الإيراني المنهك، وإبعاد الحلفاء عنها وإضعافهم، من شأنه أن يحدث فرقًا أو تحولات جذرية في إيران لصالح الأهداف الأمريكية، وهي معادلة محكومة بعوامل منضبطة، وغير مأمونة النتائج لأي طرف.

هل تفكر أميركا بتدخل بري في محيط مضيق هرمز، الذي برز كأهم أوراق الضغط الإيرانية؟ ربما يشي تركيز القصف الأمريكي على جنوب إيران، ومركزه بندر عباس، وبعض الجزر ذات الأهمية الاستراتيجية، بذلك، لكن الواقع على الأرض لم ينضج بعد لمثل هذه الخطوة، لما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة. وهنا يبرز السؤال الأساسي: من يصمد أكثر؟

حقيقة أن رغبة إيران في توسيع رقعة المواجهة، ودفع دول الخليج، تحديدًا، إلى دخول الحرب، لم تنجح. كما أن الغرب وحلف الناتو أصبحا أكثر تفهمًا للموقف الأمريكي، وإن كان هذا التفهم لم يترجم على الأرض بصورة مؤثرة. كما يتضح أن العالم، إلى حد ما، يحاول التكيف مع الأضرار الاقتصادية، وتفعيل الممرات البديلة، وتفهم، إلى حد نسبي التأثير السلبي على الأسعار.

وأعتقد أن أكثر الرابحين من هذه المتغيرات هي الدولة في المنطقة؛ فقد أثبتت التجارب، على مدى عقود مؤلمة، أن أساس الاستقرار في المنطقة هو تقوية مؤسسات الدول، وتجفيف البيئة الرخوة التي تسمح بتشكل الميليشيات والقوى السياسية المسلحة، التي تنسج علاقات وأحلافًا خارج سياق الدولة. لذا فإن إعادة الاعتبار للدولة، باعتبارها المؤسسة الرسمية والمحكومة بدساتير وقوانين ومؤسسات شرعية، وضمن سياق وطني خالص يقوم على أساس متين من العلاقات الإقليمية، وحسن الجوار، والمصالح المتبادلة، سيكون من أهم إفرازات هذه الحرب، بغض النظر عن تفاصيل شكل النهاية المرتقبة لها، وإعادة بناء مفهوم الأمن العربي الإقليمي كأحد الدروس المستفادة، وللحديث بقية في تشعوبات هذه المآلات.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية