الطراونة يكتب: الخيانة بضاعة ليست أردنية
مكرم أحمد الطراونة
مع عودة الحرب الأميركية على إيران، وغياب مؤشرات قرب الوصول إلى اتفاق لإنهائها، بدأت طهران في انتهاج سلوك أقرب إلى مفهوم "حلاوة الروح"، وكأنما النظام هناك يعيش مرحلة النزاع الأخير، وقد بدا هذا واضحا في تخبطه وجنونه بمواصلته شن هجمات على دول الخليج والأردن، وهي هجمات تجاوزت ما تزعم أنه استهداف لقواعد عسكرية في هذه الدول، إلى قصف منشآت مدنية واقتصادية، وبنى تحتية أساسية.
وإلى جانب ذلك، يخوض النظام الإيراني حرب تضليل إعلامية تستهدف سكان هذه الدول، عبر بث أخبار كاذبة لخلخلة الأمن المجتمعي من جانب، ولكسب تأييد شعبي لم يستطع النجاح في كسبه حتى الآن.
زعم طهران أن أردنيين قدموا معلومات ساعدتها في استهداف ما قالت إنها قواعد أميركية في الأردن، وتقديم الشكر لهم، هو تهور كبير، وادعاء يتجاوز كل حدود المنطق. ولكننا، كمراقبين، نتفهم هذا السلوك بعد أن تم وضع طهران في "الزاوية الضيقة"، وتجريدها من كثير من نقاط قوتها، فباتت تسعى وراء أي وسيلة لحفظ ماء الوجه، حتى لو كان ذلك من خلال دفع المنطقة إلى حرب شاملة لا ناقة للعرب فيها ولا جمل، فالعرب لن يدفعوا ثمن أطماع طهران التوسعية والاستعمارية على مدار عقود من الزمن، وهي التي دمرت العراق وسورية واليمن ولبنان، وتسعى جاهدة لمد الخراب إلى غيرها من البلدان.
ولكن، لماذا بلغت طهران هذا المبلغ من الانحطاط السياسي والإعلامي والعسكري؟
لقد بنت إيران سرديتها عن نفسها، وطوال عقود، باعتبارها قوة إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة في الشرق الأوسط. لكن الحرب الأخيرة كشفت أن جزءاً من هذا الخطاب كان أكبر من القدرة الفعلية على تحقيقه، فخطاب "الردع الكامل" و"القدرة على منع أي اعتداء"، كلها شعارات ذهبت أدراج الرياح، وهي تعاني اليوم من أزمة مصداقية، خصوصا بعد انكشاف حدود العقيدة الأمنية الإيرانية التقليدية القائمة على الردع غير المتكافئ والصواريخ والوكلاء.
لكن أكبر الضربات الموجعة لطهران جاءت بواسطة الاختراق الاستخباري، فالقدرة على اغتيال شخصيات عسكرية وعلمية، وضرب أهداف دقيقة داخل إيران، تعني أن هناك اختراقات عميقة، سواء عبر تجنيد مصادر بشرية، أو وسائل تقنية، أو حرب سيبرانية. فشل الاستخبارات أخطر معركة قد يخسرها أي بلد، لأنه يضرب الثقة في الدولة نفسها.
هذه الأسباب تحفز النظام الإيراني لدفع المنطقة للدمار، خصوصا أنه يعيش أسوأ أوضاعه، من غياب الاستقرار والتناغم بين المستويين؛ العسكري والسياسي، وإدراكه أن الضغط الشعبي الإيراني بدأ يتشكل بهدف التأثير على النظام للعمل فورا على إنهاء الحرب، ومع التقارير الإعلامية التي تشير إلى بدء تحرك للقوى الكردية، والتي يمكن لها أن تبدأ معركة ضارية ضده، وهي ورقة خطيرة قد تسرع من انهيار النظام.
طهران، لم يعد في جعبتها أوراق كبيرة تلوح بها، خصوصا بعد فشل ورقة مضيق هرمز الذي كانت تعتبره وسيلة ضغط مهمة على دول العالم، وهي تسعى بكل جهدها إلى استنزاف صبر دول الجوار عبر استمرار استهداف منشآت اقتصادية ومدنية وحيوية بزعم استهداف قواعد أميركية. كل ذلك من أجل توسيع جغرافية الحرب للتخفيف عليها.
لقد راهنت طهران، ومنذ بدء الحرب، على كسب تأييد شعوب المنطقة، باعتبارها تخوض حرب "الأمة ضد الأعداء"، لكنها وبعد كل هذه الشهور باتت مدركة أنها فشلت في تحقيق ذلك، فلا يمكن لشعب أن يتعاطف مع دولة تستهدف وطنه بالصواريخ والمسيرات، وتبث السموم والإشاعات والأكاذيب. لن يفعل ذلك إلا خائن!
بالنسبة للأردن، فإنه لا يتعامل مع ادعاءات طهران إلا من باب التندر والسخرية، فهذا البلد الصغير الذي يعيش وسط الأزمات منذ وجد، لم يكن لينجو لولا طهر أبنائه وإخلاصهم وتقديمهم أرواحهم في سبيله. الخيانة بضاعة ليست أردنية أيها الملالي!







