اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاطبة يكتب: البلديات.. عدالة الموازنات ضمان نجاح اللامركزية (3-3)

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


تطرقت في مقالين سابقين تحت عنوان: «البلديات.. من إدارة الخدمات لقيادة التنمية»، إلى موضوع إعادة هيكلة الإدارة المحلية عبر إنشاء بلدية واحدة في كل مُحافظة بصلاحيات تنفيذية واسعة، بما يتيح للحكومة المركزية التركيز على رسم السياسات والرقابة. إذ يسهم ذلك في ترشيد الإنفاق، وتقليص البيروقراطية، وتوحيد مرجعية الخدمات، ورفع كفاءة تنفيذ المشاريع التنموية.
 

وفي هذا المقال، أحاول تسليط الضوء على آلية توزيع أو تخصيص ميزانيات البلديات في محافظات المملكة الاثنتي عشرة، فإذا كان منح البلديات صلاحيات واسعة يمثل خطوة أولى ورئيسة في إصلاح الإدارة المحلية، فإن نجاح هذه التجربة يبقى مرتبطاً بآلية عادلة وشفافة لتوزيع الموازنات بين المحافظات.
الأصح والأصوب، عندما يتم تخصيص ميزانية لكل بلدية، أن يُراعى عدد سكان المحافظة، باعتبار أن الكثافة السكانية ترتبط مباشرة بحجم الطلب على المدارس وصيانتها وتوسعتها عند الحاجة، والمستشفيات والمراكز الصحية، وإنشاء طرق جديدة وتأهيل المتهالك منها، فضلاً عن بقية الخدمات الأساسية.
لكن العدالة، لا تعني الاعتماد على عدد السكان وحده، إذ إن بعض المحافظات البعيدة، أو ما يُعرف بمحافظات الأطراف، تحتاج إلى دعم إضافي بسبب اتساع مساحتها، أو ضعف بُنيتها التحتية، أو ارتفاع نسب الفقر والبطالة، أو محدودية الفرص الاستثمارية فيها.. إذ إن بيانات دائرة الإحصاءات العامة تشير إلى تفاوت ليس بقليل في نسب الفقر والبطالة بين محافظات المملكة.
ومن هُنا، فإن أفضل نموذج للتمويل هو الذي يجمع بين معيارين مُتكاملين: الأول يعتمد على عدد السكان، والثاني يعتمد على الاحتياجات التنموية الخاصة بكل محافظة، بحيث تحصل المحافظات الأقل حظاً على دعم إضافي يمكّنها من تحسين خدماتها وتسريع وتيرة التنمية فيها.
وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول هذا الدعم إلى سبب في الانتقاص من حقوق المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية، التي تتحمل أعباء أكبر في التعليم والصحة والبنية التحتية، وتحتاج بطبيعتها إلى موازنات أكبر لتلبية احتياجات سكانها، فضلاً عن أن الفاتورة الضريبية الأكبر تقع على عاتق سكانها.
فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد سكان محافظة العاصمة نحو أربعة ملايين وستمائة ألف نسمة، في حين لا يتجاوز عدد سكان بعض المحافظات الأخرى مئات الآلاف؛ ما يجعل اعتماد عدد السكان معياراً أساسياً في توزيع الموازنات.. وهُنا، ما المانع من تخصيص 70 بالمائة من الموازنة وفق عدد السكان، و30 بالمائة وفق مؤشرات التنمية والحاجة؟
إن تحقيق هذا التوازن يتطلب معادلة تمويل واضحة، تعتمد على مؤشرات موضوعية قابلة للقياس، مثل: عدد السكان، نسب الفقر، مستوى البطالة، المساحة الجغرافية، طبيعة البنية التحتية، ومؤشرات التنمية في كل مُحافظة.
وعندما تقترن الصلاحيات الواسعة بالتمويل العادل، تُصبح البلديات قادرة على إعداد خطط تنموية طويلة الأمد، وتنفيذ مشاريع تتناسب مع احتياجات مجتمعاتها المحلية، بعيداً عن الحلول المؤقتة أو المركزية المفرطة.
في المحصلة، بناء إدارة محلية قوية لا يعني مجرد نقل الصلاحيات من الوزارات إلى البلديات، وإنما بناء منظومة متكاملة تقوم على المسؤولية، والتمويل العادل، والرقابة الفاعلة، بما يضمن وصول الخدمات إلى المواطنين أينما كانوا، وعدم هضم حقوق المناطق المكتظة سكانياً، وفي الوقت نفسه تقديم دعم مالي إضافي لمحافظات الأطراف.. عندها يمكن أن تتحول البلديات إلى محرك رئيس للتنمية المستدامة، وشريك حقيقي للدولة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية