خيرالله خيرالله يكتب: سقوط حكومة الزيدي في امتحانها الأوّل
خيرالله خيرالله
سقطت حكومة علي الزيدي بأول امتحان إثر إطلاق مسيرات نحو السعودية، مؤكدة تحكم الحرس الثوري بالقرار العراقي عبر الحشد الشعبي.
لا أهمّية لأي حكومة جديدة في العراق في حال غياب السلوك المختلف لهذه الحكومة. يظلّ الامتحان الأول الذي سيواجه رئيس الحكومة الجديدة علي الزيدي من صاحب الكلمة في البلد. هل العراق يمتلك حرية قراره أم أن الكلمة الأولى والأخيرة لإيران.
سقطت حكومة علي الزيدي في أول امتحان لها. سقطت عمليا عندما أطلقت مسيرات من الأراضي العراقيّة في اتجاه الأراضي السعودية. يؤكد ذلك مدى تحكّم “الحرس الثوري” بالقرار العراقي عبر ميليشيات ما يسمّى “الحشد الشعبي”. عمليا، تبيّن أن لا تغيير حقيقيا في العراق. لن يصنع الزيدي فارقا على الرغم من أنّه اعترف في أوّل خطاب له، في ضوء نيل حكومته الثقة، بحال “الترهّل” التي يعاني منها بلد لا يزال يبحث عن نظام سياسي مختلف يخرج العراق من الهيمنة الإيرانيّة ويؤكد قدرة البلد على اتخاذ موقف بناء في ظلّ الأحداث التي تشهدها المنطقة.
لا يزال البحث عن مثل هذا النظام مستمرّا منذ سقوط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي في نيسان – ابريل من العام 2003 نتيجة حرب شنتها الولايات المتحدة عليه. كلّما مرّ الوقت، يتبيّن أن العراق يعاني من أزمة نظام باتت تهدد عملية إعادة تركيب البلد بمكوناته المختلفة.
تبدو هذه الحكومة غير المكتملة إلى الآن، أقرب إلى حكومة مجهولين أكثر من أي شيء. يؤكّد ذلك الغياب الكامل للكفاءات التي تستطيع وضع المشاريع الكبرى في نصابها الصحيح بعيدا الصفقات والعمولات التي باتت جزءا لا يتجزّأ من النظام القائم منذ ثلاثة وعشرين عاما.
من الواضح أنّ أحدا لن يحاسب أحدا في العراق. تحدّث رئيس الوزراء العراقي السابق محمّد شياع السوداني عن “إنجازات” حققتها حكومته في السنوات الأربع التي كان فيها المسؤول الأوّل عن البلد. من يستطيع كشف أن هذه الإنجازات غير موجودة على أرض الواقع ومباشرة عملية محاسبة في داخل مجلس النواب للسوداني وحكومته؟
يبدو أنّ مثل هذه المحاسبة غائبة عن القاموس السياسي العراقي مثلما كانت حرّية المواطن غائبة عن ممارسات نظام صدّام حسين. تسلّم السوداني خزينة مليئة بفضل ما حققته، بلغة الأرقام، حكومة مصطفى الكاظمي. ليس أفضل ما يختزل حال العراق من كلام الزيدي الذي تحدث عن أعباء مالية كبيرة وعن فساد وتراجع كبير في الخدمات واتساع للفوارق الاجتماعيّة
ليس مستبعدا بقاء كلام الزيدي مجرّد كلام يتحدث عن واقع غير قابل للعلاج. يعود ذلك إلى أن ظروف تسمية الرجل رئيسا للوزراء جاءت بعد زيارة قام بها لبغداد علي قاآني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني. جاء قاآني ليضع حدّا للخلافات بين قادة “الإطار التنسيقي” والعثور على شخصية تخلف محمّد الشياع السوداني من جهة وتكرّس، من جهة أخرى، بقاء الحكومة العراقيّة تحت الهيمنة الإيرانيّة تنفّذ كلّ ما تطلبه منها طهران.
يعاني العراق عمليا من إفلاس سياسي على كلّ المستويات. لا يعبّر عن هذا الإفلاس الذي يعاني منه الأكراد والسنّة والشيعة أكثر من تولي الكردي نزار ميدي موقع رئيس الجمهوريّة. لا وزن سياسيا لميدي، لا كرديا ولا عراقيا ولا إقليميا. إنّّه بالكاد من قيادات الصف الثاني أو الثالث في البلد وبين الأكراد. ما ينطبق على رئيس الجمهوريّة ينطبق أيضا على رئيس مجلس النواب السنّى هيبت الحبلوسي. كذلك الأمر بالنسبة إلى رئيس الحكومة الذي جاء من قطاع رجال الأعمال والمال الذين ارتبطوا بعقود، هي موضع أخذ وردّ، مع مؤسسات الدولة.
يمكن القول أنّ النظام العراقي قطع شوطا كبيرا على طريق الوصول إلى يوم لن يعود فيه قادرا على البقاء. لن يعود أمامه غير إعلان إفلاسه. ستظهر الأسابيع المقبلة هل بات في الإمكان الحديث عن موت سريري للنظام العراقي، القائم على المحاصصة، الذي قام بعد 2003.
ما لا مفرّ من الاعتراف به أن “الإطار التنسيقي” الذي يشكلّ أكبر تكتل برلماني لم يستطع التوصل إلى تفاهم بين قياداته وتسمية الزيدي رئيسا للحكومة، لولا التدخل الإيراني المباشر عن طريق قائد “فيلق القدس”، أي خليفة قاسم سليماني. أكثر من ذلك، لم يستطع “الإطار” تجاوز الفيتو الذي وضعه الرئيس دونالد ترامب على تولي نوري المالكي موقع رئيس الحكومة.
سيتوقف الكثير، في نهاية المطاف، على الطريقة التي ستنتهي بها الحرب الدائرة حاليا بين إيران من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى. يعود ذلك إلى أنّ مستقبل النظام العراقي القائم مرتبط بمستقبل النظام الإيراني ومدى قدرته على ممارسة نفوذه في بغداد.
ستكون طهران قادرة على إطالة عمر النظام العراقي، لكنّ ذلك لا يمكن أن يستمرّ إلى ما لا نهاية، لا لشيء سوى لأن كلّ مكون من مكونات العراق يعاني من مشاكل خاصة به. هذه المشاكل تتفاقم يوميا داخل المجتمع، خصوصا في ضوء غياب المشروع السياسي الواضح الذي يجمع بين العراقيين الذين يعانون من دولة داخل الدولة تمثلها ميليشيات مذهبية تابعة لإيران تحت تسمية “الحشد الشعبي”…
جاءت هذه الميليشيات المذهبيّة إلى السلطة على الدبابة الأميركيّة التي اسقطت نظام صدّام حسين، الذي كان ضروريا إسقاطه. لكنّ الذي تبيّن مع مرور السنوات أن الحسابات الأميركية، التي قامت على فكرة إقامة دولة ذات نظام ديمقراطي في العراق، كانت حسابات خاطئة… وهي حسابات يبدو أنّها تتكرر حاليا بعدما دعمت إدارة دونالد ترامب حكومة الزيدي الذي لا يمكن أن يكون أفضل من محمد شايع السوداني. فشل السوداني داخليا، كما فشل في إقامة أي توازن في العلاقات بين المحيط العربي للعراق من جهة وإيران من جهة أخرى.







