منصور يكتب: من الذين يشكلون وعينا الصحي؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عاصم منصور


«الجمهور عايز كده» عبارة شاعت في ثمانينيات القرن الماضي لتبرير انتشار الفن الهابط، واستعادت حضورها اليوم بقوة من خلال ما نشاهده على وسائل التواصل الاجتماعي من ترهات وإسفاف يندى لهما الجبين. وإن كنا قد اعتدنا هذا الهبوط في مجال الفن، فإننا لم نتصور يوما أن يصل ذلك إلى إحدى أقدس المهن على مر العصور: مهنة الطب، التي يُعد الستر والخصوصية والثقة أعمدتها الثابتة.
 

ففي عالم تتنافس فيه ملايين المنشورات على لفت انتباهك كل يوم، بات كثير من الناس يلجؤون إلى وسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست للحصول على نصائح صحية. لكن السؤال الجوهري الذي يُطرح هنا: من هم هؤلاء المؤثرون؟ وهل هم مؤهلون حقا لتقديم هذه النصائح؟
كشفت دراسة حديثة أجراها مركز بيو للأبحاث أن أربعة من كل عشرة أميركيين بالغين ــ وهو ما يمثل نصف من هم دون سن الخمسين ــ يحصلون على معلوماتهم الصحية من مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست.
كما وجد الباحثون أن 41 % فقط من المؤثرين في قضايا الصحة يصفون أنفسهم بأنهم متخصصون في مجال الرعاية الصحية، في حين يصف الآخرون أنفسهم بأنهم مدربون أو رجال أعمال، بل إن بعضهم لا يذكرون في ملفاتهم الشخصية أي مؤهلات على الإطلاق.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ ففئة المختصين بالرعاية الصحية واسعة جدا، إذ تشمل أطباء وممرضين ومختصي تغذية ومختصين اجتماعيين ومعالجين بالتدليك وعشابين وغيرهم. ناهيك عن الشعور العام لدى المراقبين بأن معظم الأطباء الذين ينشطون بصورة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي ليسوا الأميز في مجالاتهم، بل إن كثيرا منهم ينتمون إلى فئة الـ»ميديوكر» في أحسن الأحوال.
وتبرز الدراسة الترفيه بوصفه دافعا محوريا لدى الشباب لمتابعة هذا المحتوى، أما في بلادنا فأرى أن السبب الرئيس لمتابعة هذه الحسابات هو محتواها المثير للغرائز؛ فإذا ما نظرنا إلى الحسابات الأكثر متابعة وجدنا أن موضوعات الجنس والتجميل ومهاجمة الثوابت الطبية هي الغالبة عليها.
وإذا كان هذا واقع الحال في دولة لا يستطيع الطبيب فيها وضع السماعة على صدر المريض دون ترخيص من الولاية المعنية، فما بالك بواقع الحال في دول تعاني من سيولة قوانينها والتقاعس عن إنفاذها؟
وتتزايد المخاوف من المعلومات المضللة التي يروجها بعض مؤثري الصحة، ومن تداعياتها الخطيرة المتمثلة في تراجع معدلات التطعيم، وانتشار الحميات الغذائية المتطرفة، وتبني نظريات المؤامرة، وإحجام المرضى عن تناول علاجاتهم.
فقد أشارت دراسة أسترالية منفصلة إلى أن نحو نصف منشورات مؤثري الصحة على إنستغرام تحتوي معلومات غير دقيقة، ما يعني أن ملايين الأشخاص حول العالم يتلقون نصائح تمس صحتهم من أشخاص غير مؤهلين، تحكمهم مصالحهم الضيقة.
وفي عصر بات فيه أي شخص قادرا على إنشاء حساب والادعاء بالخبرة الصحية، تغدو القدرة على التمحيص والتحقق من المصادر ضرورة لا رفاهية.
فقبل أن تتبنى نظاما غذائيا أو تُقدم على قرار صحي بناء على ما شاهدته في فيديو قصير، تذكّر أن واحدا من بين كل ثلاثة مؤثرين لا صلة له بالطب ولا بالصحة، وأن معظم الباقين تحكمهم مصالحهم الخاصة وحساباتهم الإلكترونية والبنكية، وأن كثيرا من الفيديوهات والحالات التي يُتفاخر بعرضها إما مختلقة أو مبالغ فيها.
ويعرّف «المعجم الوسيط» «الإباحية» بأنها التحلل من قيود القانون والأخلاق، فإذا كان هذا الوصف ينطبق على كثير مما نشاهده من محتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، فحريّ بأصحاب القرار أن يطبقوا عليها قرار حجب المواقع الإباحية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية