التل يكتب: نظام ترخيص صناع المحتوى في الأردن: بين ضرورة التنظيم وإشكالية الإيرادات
د.مصطفى التل
مع تسارع التحول الرقمي وتنامي دور المؤثرين وصناع المحتوى في تشكيل الرأي العام وتوجيه سلوك المستهلكين، بات تنظيم هذا القطاع الواعد ضرورة ملحة.
غير أن الآلية التي اختارتها هيئة الإعلام الأردنية لتنظيم هذه المهنة الناشئة، عبر نظام الترخيص الإلزامي برسوم تصاعدية، أثارت موجة من التساؤلات والانتقادات، ليس فقط بين صناع المحتوى أنفسهم، بل أيضاً بين خبراء القانون والإعلام.
وفقاً لتصريحات مديرة مديرية الإعلام الرقمي في هيئة الإعلام، آرزو شمس الدين، فإن النظام يستند إلى معيارين أساسيين لتصنيف صانع المحتوى كمحترف وملزم بالترخيص، وهما الاستمرارية والانتظام في ممارسة النشاط، وتحقيق عائد مادي بشكل مباشر أو غير مباشر من هذا النشاط.
أما من لا تتوفر فيه هذه المعايير، فيُصنف ضمن فئة "الهواة"، ويُطلب منه فقط اعتماد صفحته برسوم تبلغ 100 دينار للمرة الأولى و20 ديناراً للتجديد السنوي، بينما يدفع المحترف 500 دينار أول مرة و100 دينار عند التجديد، مع عقوبات قانونية تنتظر غير الملتزمين بعد إقرار القرار من الجهات المختصة.
تبرر هيئة الإعلام قرارها بثلاث حجج رئيسية، أولها حماية المجتمع من خلال ضمان خلو المحتوى من خطاب الكراهية والعنف والأمور المخلة بالآداب، وثانيها تنظيم المهنة عبر حصر ممارسة النشاط المحترف بأشخاص مرخصين يمكن تتبعهم ومحاسبتهم، وثالثها تسهيل مهام الصنّاع بمنحهم تصاريح تغطية الأماكن والمناسبات التي يمنع التصوير فيها إلا بتصريح مسبق.
رغم شرعية هذه الأهداف الظاهرية إلا أن التطبيق العملي للنظام يكشف عن إشكاليات جوهرية:
بداية هناك خلط واضح بين مفهومي الترخيص والرقابة، فالأول يسبق الفعل بينما الثانية تلاحقه، والرقابة على المحتوى يمكن أن تتم عبر آليات رصد وشكاوى وعقوبات لاحقة دون حاجة لترخيص مسبق، وفرض الترخيص على الهواة الذين لا يحققون أرباحاً هو تجاوز لمبدأ الضرورة، لأن ضررهم المحتمل أقل بكثير من المحترفين.
أما الإشكالية الثانية فتتمثل في العبء المالي غير المبرر على المواهب الناشئة، فمئة دينار للهاوي الذي قد يكون طالباً جامعياً أو عاطلاً عن العمل ولا يحقق أي دخل من محتواه هو مبلغ كبير جداً، وعملياً هذا سيدفع الكثيرين إما للعمل دون ترخيص فيصبحون خارجين عن القانون، أو للتخلي عن المحتوى تماماً مما يحرم الساحة من أصوات جديدة وإبداعات محتملة.
ثالثها هناك غياب واضح لمقابل الخدمة، ففي النظم المماثلة عالمياً مثل تراخيص الطيران أو الصحافة، يكون هناك مقابل واضح كحماية تأمينية أو حقوق ملكية فكرية أو دورات تدريبية إلزامية أو تسهيلات جمركية، لكن هنا الفائدة الوحيدة المذكورة هي تسهيل التصاريح للأماكن المغلقة، وهي فئة ضيقة جداً مقارنة بالمبلغ المدفوع الذي يصل إلى 600 دينار في السنة الأولى.
رابعها هناك صعوبة في التطبيق والتحقق، فكيف ستثبت الهيئة أن صانع محتوى معين يحقق عائداً مادياً؟ ! هل ستراقب حساباتهم البنكية أم ستعتمد على الإقرار الذاتي؟! وإذا أقر بأنه لا يحقق أرباحاً لكن إعلاناً يظهر في فيديوهاته فمن المسؤول؟! , هذه ثغرات قانونية وإدارية قد تجعل النظام غير قابل للتطبيق العادل.
وأخرها عند المقارنة الدولية نجد أن الأردن يطلب رسوماً أعلى من دول أكبر منه بكثير، ففي الإمارات على سبيل المثال، تراخيص المؤثرين في المنطقة الحرة للإعلام تتراوح بين 80 إلى 160 ديناراً سنوياً وتشمل حزمة خدمات متكاملة من تأشيرة وسجل تجاري وحساب بنكي، بينما الأردن يطلب 600 دينار في السنة الأولى دون أي خدمات ملموسة.
بدلاً من هذا النموذج التقليدي الذي يقسم الناس إلى مرخص له وخارج عن القانون، يمكن اقتراح نموذج أكثر حداثة وعدالة يجمع بين أهداف الهيئة ومصالح الصنّاع والمجتمع.
فمن الممكن مثلاً اعتماد نظام التسجيل المجاني عبر منصة إلكترونية دون رسوم، مع توقيع مدونة سلوك ومتابعة المخالفين فقط، فهذا يخلق قاعدة بيانات بدون حواجز مالية ويرفع نسبة الامتثال.
كما يمكن تطبيق نظام الترخيص التصاعدي الذي يعتمد على شريحة الدخل السنوي لصانع المحتوى، حيث يدفع من يربح أقل من 5000 دينار سنوياً 25 ديناراً فقط، ومن يربح بين 5000 و15000 ديناراً يدفع 75 ديناراً، ومن يربح أكثر من 15000 يدفع 150 ديناراً، وهذا حل عادل يشجع النمو ويضمن أن الكبار هم من يمولون النظام.
أيضاً يمكن إنشاء لجنة شكاوى سريعة تلغي الترخيص المسبق وتفعّل خلال 24 إلى 48 ساعة لتلقي البلاغات وإصدار قرارات الحذف أو الغرامات على المخالفين فقط، وهذا لا يرهق الأغلبية الملزمة ويستهدف بدقة المخالفين.
ومن الحلول المبتكرة أيضاً فرض ضريبة رمزية بنسبة 2 إلى 3 بالمئة على عقود الإعلانات التي تبرمها الشركات مع صناع المحتوى، على أن تدفعها الشركة المعلنة، فهذا يدر إيرادات حقيقية للهيئة من قلب النشاط التجاري دون مساس مباشر بالصنّاع الصغار.
كما يمكن تحويل الترخيص إلى نظام طوعي، حيث يحصل من يدفع الرسوم علىشارة معتمدة تمنحه تسهيلات كأولوية في تصاريح التصوير أو تخفيضات في الدورات التدريبية، بينما لا شيء يفرض على من لا يرغب، وهذه الطريقة تحترم حرية العمل وتجعل الترخيص أداة تمكين لا عقاباً.
في عصر تتجه فيه الحكومات إلى تبسيط الإجراءات وخفض أعباء ريادة الأعمال، تأتي خطوة هيئة الإعلام هذه مُثقلة بالبيروقراطية والأعباء المالية.
لا يمكن إنكار حق الدولة في تنظيم الفضاء الرقمي وحماية مواطنيها من المحتوى الضار، ولكن الطريقة التي تدار بها هذه العملية هي التي تحدد نجاحها أو فشلها.
لهذا نوصي هيئة الإعلام بمراجعة جدول الرسوم وتخفيض رسوم الهواة إلى 10 أو 15 ديناراً كحد أقصى أو إلغاؤها تماماً والاكتفاء بالتسجيل المجاني لهذه الفئة، كما نوصي بربط الخدمة بالرسوم عبر وضع حزمة ملموسة من الخدمات مقابل الـ500 دينار مثل وثيقة تأمين على المسؤولية المهنية ودورات تدريبية إجبارية واستشارات قانونية، مع منح فترة سماح لا تقل عن 6 أشهر للتوعية والتسجيل قبل البدء بتطبيق العقوبات، والإعلان بشكل ربع سنوي عن إيرادات تراخيص صناع المحتوى وكيفية إنفاقها في تطوير القطاع لا كإيرادات عامة تذهب للخزينة دون رقابة.
التنظيم الحقيقي لا يُبنى على الترهيب المالي، بل على خلق بيئة يحترم فيها صانع المحتوى القانون لأنه يراه عادلاً ومفيداً، لا لأنه يخشى الغرامة







